في قراءة متأنية للمشهد الأمني الأخير، نجد أننا لسنا أمام مجرد عملية ضبط تقليدية لخلية مسلحة، بل أمام "ملحمة أمنية" متكاملة الأركان، نجحت من خلالها وزارة الداخلية في تفكيك واحدة من أعقد شبكات الإرهاب العابر للحدود.
الضربة الاستباقية التي استهدفت معاقل حركة "حسم" في منطقة "أرض اللواء" بمحافظة الجيزة، وصولاً إلى استقدام القيادي الإخواني الخطير علي محمود محمد عبد الونيس، الملقب في أروقة التنظيم بـ "البرنس"، تمثل تحولاً استراتيجياً في قدرة الدولة المصرية على ملاحقة الإرهاب في "عقره الميداني" وفي "غرف تمويله" الخارجية على حد سواء.
هنا.. نخوض في دلالات هذه الضربة وكيف تحولت اعترافات "البرنس" إلى خريطة طريق كشفت عن وجه قبيح لتنظيم حاول استبدال رداء السياسة ببدلات القتال وصواريخ سام المضادة للطائرات.
سقوط الإرهاب
الدلالة الأولى في هذه الضربة تكمن في "سرعة الرد ودقة الرصد"؛ فبينما كانت قيادات حركة حسم في الخارج، وعلى رأسهم يحيى موسى وعلاء السماحي، يظنون أنهم بمأمن وهم يديرون دفة التسلل عبر الحدود، كانت الأجهزة الأمنية ترصد "الأنفاس" قبل "الخطوات".
وقد تجلى ذلك في ملاحقة العنصرين أحمد غنيم وإيهاب عبد القادر، اللذين دُفع بهما لتنفيذ عمليات عدائية ضد منشآت حيوية، فكانت المواجهة الحاسمة في الجيزة التي أسفرت عن مصرعهما، لتكون تلك البداية لسلسلة من الانهيارات داخل التنظيم.
هذه اليقظة لم تتوقف عند الحدود الميدانية، بل امتدت لتطال "الرأس المدبر" علي عبد الونيس، الذي كان يعتقد أن تنقله بين دول إفريقية بأسماء حركية وجوازات سفر مزورة قيمتها آلاف الدولارات سيعصمه من الملاحقة، إلا أن استقدامه من الخارج برهن على أن الذراع الأمنية المصرية باتت طويلة بما يكفي لاختراق الملاذات الآمنة.
السجل الإرهابي لبرنس الاغتيالات
وبالنظر إلى السجل الإجرامي لـ "برنس الاغتيالات" عبد الونيس، نجد أننا أمام كادر نوعي تم إعداده في "صنابير الدم" الخارجية؛ فالمتهم الذي بدأ رحلته من لجنة الحراك بجامعة الأزهر، تحول إلى خبير في هندسة المتفجرات ومضادات الطيران بعد فترة تدريب مكثفة في قطاع غزة.
اعترافاته الصادمة حول التخطيط لاستهداف "الطائرة الروسية" باستخدام صواريخ محمولة على الكتف، وتنسيقه المباشر مع تنظيم "المرابطون" بقيادة الهالك هشام عشماوي لتأسيس معسكرات في الصحراء الغربية، تكشف عن حجم المؤامرة التي كانت تُحاك.
لقد أراد التنظيم تحويل مصر إلى ساحة حرب مفتوحة، مستغلاً خبرات قتالية عابرة للحدود، وهو ما يفسر شعور القيادات الهاربة بـ "الهزة التنظيمية" العنيفة فور إحباط المخطط، حيث أدركوا أن "رادار" الأمن المصري اخترق أعمق أسرارهم العسكرية.
مؤسسة ميدان الإرهابية
أما البعد الأكثر خطورة في هذا التحليل، فهو كشف النقاب عن "مؤسسة ميدان" الإعلامية، التي أثبتت التحقيقات والاعترافات أنها لم تكن سوى "واجهة ناعمة" لتمويل وتجنيد العناصر الإرهابية.
هذه المؤسسة التي أدراها يحيى موسى ورضا فهمي كانت تستهدف توسيع الحاضنة الشعبية لـ "حسم" واستقطاب شباب من خارج الدوائر التقليدية للجماعة، عبر "بودكاست" ومنصات إلكترونية تروج للأكاذيب.
وما يثير الريبة هو الدور الذي لعبه "مصطفى عبد الرازق" في توفير التمويل المادي الضخ بهدف توحيد جهود "المعارضة المسلحة".
إنها حرب "الجيل الرابع" بامتياز، حيث يتم استخدام الإعلام كستار لعمليات التجنيد، واستخدام المواقع الصحفية كأدوات لجمع البيانات عن مسؤولي الدولة تحت غطاء العمل المهني، وهو ما أجهضه الأمن المصري بذكاء يحسب له في معركة الوعي والمعلومات.
وفي ختام هذا المشهد، تأتي "لحظة الحقيقة" التي تجلت في انهيار "البرنس" وبكائه المرير خلف القضبان؛ فذلك الرجل الذي شارك في دماء الشهيد عادل رجائي والشهيد ماجد عبد الرازق، وجد نفسه في نهاية المطاف مجرد "أداة" في يد قيادات تتاجر بالأرواح من أجل "الكرسي والسلطة".
اعترافه بأن الحرب لم تكن "حرب دين" بل "حرب منصب وجاه"، يمثل ضربة قاضية للأيديولوجيا التي يحاول التنظيم غرسها في عقول الشباب.
صرخته الأخيرة "كفاية دم" ورسالته لابنه بأن "الدنيا لا تستاهل أن تضيع نفسك عليها"، هي الشهادة الأقوى على إفلاس هذا المشروع الإرهابي.
لقد نجحت وزارة الداخلية ليس فقط في ضبط الجسد الإرهابي، بل في تعرية الفكر المنحرف أمام الرأي العام، لتظل مصر واحة للأمان، ومقبرة لكل المخططات التي تحاول النيل من مقدراتها، بقوة القانون ويقظة الرجال الذين عاهدوا الله على حماية هذا الوطن.