حسن مشهور

المنطقة العربية واللعب خارج قواعد اللعبة الإيرانية

الأحد، 29 مارس 2026 11:09 م


في ظل خطابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة، التي أشار فيها إلى أن الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة قد جعلت من الجمهورية الإيرانية في حالة ضعف بحيث لم يعد بمقدورها تهديد المنطقة الآن، وبين تهديد الجماعات الحوثية الأخير بأنها ستتدخل في حالة إطالة أمد الحرب التي تشن على إيران، وهو خطاب عنتري ليس إلا، تتشكل العديد من الأسئلة حول ما سيؤول إليه هذا الصراع الأوسطي الجديد. فالمراقبين السياسيين، قد قرأوا وسمعوا بأن إيران قد تلقت ضربات موجعة أثخنتها، وكان تركيز هذه الضربات موجهًا لإنهاء قدراتها النووية وتقليص قدراتها الصاروخية الأخرى. وكنتيجة حتمية لهذا الأمر، فقد كان الجميع ينتظر أن تسارع إيران لإجراء محادثات مع الطرف الأميركي يتمخض عنها تسوية تضمن فيها إنهاء حالة الاحتراب مع الحليفين الأميركي الإسرائيلي، والإبقاء في ذات الوقت على مالديها من قدرات تسليحية تقليدية.


لكن مما لم يفطن له البعض، إن الطرف الإيراني يعي جيدًا بأن إمكانية الحصول على تسوية تصب لصالحه في الإبقاء على الحد الأدنى من ترسانته الصاروخية في حالة توقيع اتفاق لإنهاء الحرب، هو رهن باستمراره في توجيه ضربات للداخل الإسرائيلي ولدول الجوار العربي، وهو ماسيشكل له بالتالي ورقة ضغط على الحكومة الأميركية، وعلى الداخل الإسرائيلي من استمرار أمد الحرب التي لم يُتَوقع لها الاستمرار طوال هذه المدة الزمنية.


إن مما لاشك فيه، أن حكومة ترامب باتت تعي الآن بأن استمرار إيران في إرسال صواريخها هو أمر لن ينتهي خاصة في ظل وجود ترسانة مهولة قد تم تصنيعها على مدى سنوات وتم تخبئتها في جغرافيات متفرقة في الداخل الإيراني، ولم يتم تحديد البعض الآخر للآن من قبل دوائر المخابرات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب حصول حكومة طهران عبر طرق متعددة على مساعدات عسكرية من دول بعينها يهمها أن يبقى الحليف الإيراني محتفظًا بقدرته على الصمود بوجه الترسانة العسكرية الأميركية الإسرائيلية. لكنها -أي الحكومة الأميركية- ترغب في المقام الأول بأنهاء مخاطر امتلاك إيران للسلاح النووي على توازنات التسليح في هذه المنطقة التي تشكل قلب العالم الاقتصادي، وفي ذات الوقت ضمان التفوق العسكري للحكومة الإسرائيلية. إلى جانب أمر آخر يجهله الكثير من قراء السياسة، في حين إنه من الأهمية بمكان بحيث يشكل مكون رئيس  في توجه السياسة الأميركية نحو المنطقة العربية، وهو الإبقاء على إيران في حالة من القوة التي تتجاوز قدرات جاراتها من الدول العربية، لكنها في ذات الوقت تكون -بالطبع- أدنى من قدرات إسرائيل العسكرية في المنطقة، وذلك لإدراك حكومة واشنطن، بأن الخطاب السياسي الإيراني الذي ينهض على إيدلوجيا ثيولوجية، ويجعلها في حالة عداء مع جاراتها من الدول العربية، هو الذي يمثل حالة قلق أمني لهذه الدول، تدفعهم بالتالي للتوجه للشريك الأميركي والرضى الكلي بمجمل إملاءاته.  


إن المتأمل لهذه الأزمة التي تشهدها المنطقة العربية، سيعي مباشرة بأنها قد أحدثت حالة من الحِراك العقلي دفعت بالعديد ممن لم يكن يهتم يومًا بالشأن السياسي، إلى أن يكون شغله الشاغل الأحداث التي تشهدها المنطقة، فالجميع يحلل، والجميع يُعمل عقله وهذا من أمر جيد، وقد رأيت الكثير من الفيديوهات، والكتابات على مواقع التواصل الاجتماعي تتعاطى مع هذا الأمر، إلا أن مجمل استجاباتها وتعاطيها قد كان يغلب عليه الجانب الوجداني الانفعالي وليس العقل. في حين إن السياسة توصف دومًا باللعبة القذرة التي يحكمها العقل والمصالح الذاتية للدول وليس المشاعر الوجدانية أو "حب الخشوم".


وفي ظل الأزمة الراهنة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، أستطيع القول - بكل تجرد- أن دول التي طالتها الاعتداءات الإيرانية من دول الجوار، قد نجحت في تجاوز تداعياتها والتعاطي مع هذه الاعتداءات الإيرانية بكل مهنيةٍ سياسية، وفهم عميق لقواعد اللعبة السياسية بكافة أبعادها الاجتماعية والسياسية. فاللاعب الجيد للسياسية، يعي بأن السبب الحقيقي في إطلاق نظام طهران لصواريخه باتجاه جاراته من الدول العربية و الخليج، قد كان بهدف خلط الأوراق. وذلك بأنه في حالة رد أي من هذه الدول على العدوان الإيراني بأي وسيلة عسكرية كانت، قد كان سيفتح عليها صراعات ومشاكل داخلية هي في غنىً عنها، وذلك لوجود طوائف شيعية في هذه البلدان، تدين بولائها الثيولوجي لأطروحة ولاية الفقية. ومع مايعرف عن قدرة هذا المكون الطائفي على تنظيم نفسه وعلى العمل السري، فقد كان الأمر سيدفع به لإثارة اضطرابات داخلية وقلاقل في دُولِه لمناصرة الدولة الإيرانية، وفي ضوء ذلك فقد كانت هذه الأزمة ستأخذ أشكال وأبعاد أخرى لايعلم بمداها وعواقبها سوى الله، وهو ما كان سيشكل ورقة ضغط على هذه الدول بحيث يدفعها للتوجه للجانب الأميركي، ومطالبته بإيجاد تسويه سريعة للصراع مع الطرف الإيراني بغية تهدئة أوضاعها الداخلية، خاصة وإن هذه الاضطرابات في حالة حدوثها لاسمح الله كانت ستؤثر على صادرات النفطية وتهدد بإدخال العالم في أزمات اقتصادية وأزمة وقود ضارية. وهو ما كان بالتالي سيدفع بأميركا للضغط على الشريط الإسرائيلي لوقف أعمال الحرب على الفور. وهو ماكان سيمثل انتصارًا سياسيًا لحكومة طهران.


الوضع فى الحالة الإيرانية، في حالة نجاحها كان سيتمثل فى تحقيق مخططها في خلط الأوراق بالمنطقة العربية، ومن ثم إسراع أميركا لإبرام اتفاق معها لتهدئة الوضع، فكان سيضمن لها ذلك وضع شروطها التي من المؤكد أن بعضها لن يكون بأي حال يصب في صالح دول المنطقة، وربما كانت ستحصل إيران على تسوية لصالحها فيما يتعلق ببرنامجها النووي، شريطة ألا يتم توظيفه عسكريًا، أو يشكل تهديدًا على التفوق العسكري الإسرائيلي وتوازنات القوى بالمنطقة. إلا إن المؤكد بأن مثل هذه التسوية -في تقديري- كانت ستبقي إيران أشبه ماتكون بالسيف المسلط على رقاب جاراتها من دول المنطقة. لكن حكمة رؤساء، وملوك وشيوخ دول المنطقة في تنسيق مواقفهم عبر اتصالات مكثفة، واتباعهم سياسة ضبط النفس مع الاحتفاظ بالحق في الرد قد حطم جميع آمال الجمهورية الإيرانية، وجعلها تبقى في مجال الاستهداف الأميركي الإسرائيلي.


والآن ومع إرسال الجانب الأميركي لبعض قواته للمنطقة، بهدف تشكيل ورقة ضغط أخرى على الطرف الأيراني، فأن الأيام القادمة ستشهد المزيد من الأحداث، التي وإن تصاعدت حدتها في بعض الأحيان، إلا إن المؤكد بأنها ستفضي لاتفاق وإنهاء لهذه الأزمة التي باتت تشكل هاجسًا -من تداعياتها السلبية المحتملة في قادم الأيام - لدى العديد من دول العالم الفاعل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة