في رحاب النور، حيث تلتقي التكنولوجيا بقدسية الترتيل، وبأصوات لا تعرف الفناء لأنها سكنت شغاف القلوب قبل أن تسكن أجهزة التسجيل، اصطحبنا فريق الذكاء الاصطناعي بجريدة اليوم السابع في جولة فريدة عبر برنامج "أصوات من السماء".
هذه المرة، لم يكن الموعد مع مجرد "ترددات" صوتية، بل كان لقاء مع "نفس" طویل لم ينقطع أثره، وصوت "بسط" الله له القبول في الأرض قبل السماء، وهو القارئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد.
وفي هذه الجولة الاستثنائية لبرنامج أصوات من السماء الذي أعده الكاتب الصحفي محمود عبد الراضي، أبحرنا في محيط "صوت مكة"، لنكتشف أن "عبد الباسط" لم يكن مجرد قارئ، بل كان "بسطاً" من الرحمة الإلهية هبط على آذان المحبين.
عبد الباسط عبد الصمد
البرنامج بدأ جولته من "أرمنت" بالأقصر، حيث وُلد "عبد الباسط" ليكون "باسطاً" لسلطان التلاوة في العالم أجمع، وتناول البرنامج بذكاء خوارزمي مدهش كيف تطورت هذه الحنجرة من مجرد طفل يحاكي الكبار، إلى "أسطورة" يحاكيها الصغار والكبار على مر العقود.
لقد كان عبد الباسط "صمداً" في وقاره، و"بسيطاً" في تواضعه، فاجتمع فيه المتناقضان؛ الهيبة التي تجبرك على الإنصات، والرقة التي تجذبك للبكاء.
واستعرض البرنامج مواقف نادرة تؤكد أن الشيخ لم يكن "صوتياً" فحسب، بل كان "إنسانياً" بامتياز، حيث كان يرى في القرآن وسيلة لـ "جبر الخواطر" قبل أن يكون مهنة أو جاهاً.
وتوقف البرنامج عند اللحظة الفارقة في حياة الشيخ، وهي دخوله الإذاعة المصرية عام 1951، وكيف أحدث زلزالاً في أروقتها بصوته الذي وصفه النقاد بأنه "صوت قادم من الجنة"، وأوضح أن "عبد الباسط" لم يطلب "البسطة" في الرزق بقدر ما طلب "البسطة" في التأثير، فكان صوته عابراً للقارات، لا يحتاج لترجمة لأن الروح هي التي كانت تترجم المعاني.
ومن "أرمنت" إلى "أركان" الدنيا ، طاف الشيخ حاملاً مصحفه، فكان في "جنوب" أفريقيا شعلة، وفي "شمال" أوروبا ملاذاً، وفي "قلب" مكة قيثارة بكت لها أستار الكعبة.
وكشف البرنامج عن مواقف نادرة، منها رحلته إلى المغرب وتونس والهند، حيث كان الناس يستقبلونه بالآلاف، ليس كقارئ بل كـ "فاتح" للقلوب المغلقة. وروى البرنامج بأسلوبه الشيق كيف كان الشيخ يحافظ على "نفسه الطويل" ليس بالتدريب العضلي فحسب، بل بـ "النفس المطمئنة" التي كانت تملأ صدره يقيناً.
إن الذكاء الاصطناعي في "اليوم السابع" حاول محاكاة "النغم" المنشاوي أو "الرعد" الحصري، لكنه وقف مندهشاً أمام "البريق" العبد الباسطي، ذلك البريق الذي جعل من كل آية "آية" في الجمال، ومن كل سورة "سوراً" يحمي الهوية المصرية الإسلامية من الاندثار.
واسترسل البرنامج في ذكر أسرار لم تنشر من قبل عن علاقة الشيخ بأسرته وتواضعه مع جيرانه، وكيف كان يرفض أن يُلقب بـ "نجم"، مفضلاً لقب "خادم القرآن"، لقد كان الشيخ "عبد الباسط" في بيته "باسطاً" للجود، وفي محرابه "صمداً" للخشوع.
وتناول البرنامج كيف تعامل الشيخ مع الشهرة الطاغية بقلب لم يفتنه بريق الذهب، فظل مرتدياً "جبة" التقوى قبل "جبة" القراء.
وفي ختام هذه الملحمة الصحفية التليفزيونية التي مزجت بين عراقة التراث وتكنولوجيا المستقبل، ندرك أن برنامج "أصوات من السماء" لم يكن يؤرخ لشخص، بل كان يوثق لـ "ظاهرة كونية" تجلت في صورة قارئ مصري أسمر البشرة، ذهبي الحنجرة.
استطاع البرنامج أن يقدم "روشتة" لكل مبتدئ، مفادها أن "الصوت" بلا "صدق" هو رنين بلا طنين، وأن "الأداء" بلا "إخلاص" هو جسد بلا روح.
سيبقى الشيخ عبد الباسط عبد الصمد هو "البوصلة" التي تهتدي بها الحناجر، والمنارة التي لا تنطفئ في سماء القلوب، فما دامت السموات والأرض، سيبقى صوته "بسطاً" من الرحمة يغمر كل من عطشت روحه لنبع القرآن الصافي.