عندما تصبح الوظيفة «ضرة».. حكايات من محاكم الأسرة لزوجات هربن من قيود المنزل.. ضحين بالعِشرة من أجل «تحقيق الذات».. هذه روشتة إنقاذ البيوت.. ومنع تحويل أزمة راتب الزوجة لغم يهدد استقرار الأسرة

الأحد، 29 مارس 2026 06:00 ص
عندما تصبح الوظيفة «ضرة».. حكايات من محاكم الأسرة لزوجات هربن من قيود المنزل.. ضحين بالعِشرة من أجل «تحقيق الذات».. هذه روشتة إنقاذ البيوت.. ومنع تحويل أزمة راتب الزوجة لغم يهدد استقرار الأسرة حكايات من دفتر محاكم الأسرة لزوجات هربن من سجن المنزل

كتب محمود عبد الراضي - أسماء شلبي

داخل أروقة محاكم الأسرة المزدحمة بالهموم والوجوه التي رسم الزمان عليها خطوط الصبر، برزت في الآونة الأخيرة وقائع لافتة للنظر، وهي دعاوى "الخلع" التي لا ترتبط بالخيانة أو الضرب أو حتى بخل الزوج، بل ترتبط بشيء أكثر جوهرية في حياة المرأة المعاصرة وهو "حقها في العمل".

لم تعد الوظيفة بالنسبة للمرأة مجرد وسيلة لجلب المال، بل صارت بمثابة "كيان" و"وجود" و"أمان مستقبلي"، وحين يوضع هذا الكيان في كفة الميزان أمام استبداد الزوج بالرفض غير المبرر، تميل الكفة غالباً نحو ساحات القضاء.

تبدأ الحكاية دائماً بوعود وردية في فترة الخطوبة، يبارك فيها الرجل طموح شريكته ويعدها بأن يكون السند والظهير، ولكن مع إغلاق باب البيت عليهما، تتبدل النبرة وتظهر "الأنا" الذكورية التي ترى في خروج المرأة للعمل انتقاصاً من قوامته أو تهديداً لسيطرته المطلقة.

هنا تبدأ رحلة المعاناة النفسية التي تنتهي بكلمة واحدة أمام القاضي: "أخلعه لأنني أخاف ألا أقيم حدود الله في نفسي بسبب حرماني من حلمي".

 

قصص من واقع "دفتر الوجع"

لعل قصة "نهى. س"، المهندسة التي لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، تلخص هذا الصراع المرير. تقول نهى وهي تغالب دموعها: "تخرجت بتقدير امتياز، وكان حلمي أن أرى تصميماتي تُنفذ على أرض الواقع.

وافق زوجي في البداية، ولكن بعد شهر واحد من الزفاف، بدأ يختلق المشاكل، تارة يتعلل بطلب الدليفري وتارة يتهم التقصير في نظافة المنزل، حتى وصل به الأمر إلى منع الخروج بالقوة.

لم يكن يريد زوجة، كان يريد قطعة أثاث تخدمه وتلبي رغباته فقط، فكان الخيار بين نفسي وبين بيت بلا روح، فاخترت نفسي".

أما "إيمان. ر"، وهي مدرسة لغة عربية، فقد كانت قصتها أكثر درامية؛ إذ تقول: "زوجي كان يرى أن راتبي حق مكتسب له، وحين قررت ادخار جزء منه لمستقبلي ومستقبل أولادي، ثار غضبه وقرر منعي من العمل تماماً.

حاول كسر إرادتي بالضغط المادي وحرماني من المصروف الشخصي، ظناً منه أنني سأنكسر، لكنه لم يدرك أن كرامة المرأة وكيانها المهني أغلى من أي أموال، فوقفت أمام محكمة الأسرة أطلب الخلع لأسترد حريتي التي صادرها باسم الزواج".

هذه القصص "تريند" اجتماعي يعكس فجوة عميقة في فهم طبيعة الشراكة الزوجية، فالرجل الذي يرفض عمل زوجته بعد الموافقة عليه، يرتكب نوعاً من "الغش العاطفي" الذي يدمر الثقة المتبادلة، ويحول المنزل من سكن ومودة إلى ساحة حرب باردة، يكون الضحية الأولى فيها هم الأطفال الذين ينشأون في بيئة مشحونة بالصراخ والتهديد بالطلاق.

 

لماذا يخشى بعض الرجال "نجاح الزوجة"؟

يرى خبراء علم النفس والاجتماع أن الرفض المفاجئ لعمل الزوجة ينبع غالباً من شعور بـ "النقص" أو الخوف من استقلالها المادي. فالمرأة التي تمتلك راتباً وتتواصل مع المجتمع الخارجي تكون أكثر وعياً بحقوقها وأقل خضوعاً للتحكمات غير المنطقية.

كما أن هناك موروثات ثقافية مغلوطة تربط بين خروج المرأة وبين "التقصير في حق البيت"، رغم أن الواقع أثبت أن المرأة العاملة هي الأكثر قدرة على تنظيم وقتها وتربية أبنائها على قيم الاعتماد على النفس والطموح.
إن الصراع في هذه القضايا ليس صراعاً على "ساعات العمل"، بل هو صراع على "الاعتراف بالآخر" فحين يقرر الزوج حرمان زوجته من شهادتها التي سهرت الليالي للحصول عليها، هو في الحقيقة يقوم بـ "اغتيال معنوي" لطموحها، وهو ما يولد لديها شعوراً بالدونية والاكتئاب، مما يجعل الحياة تحت سقف واحد ضرباً من المستحيل.

 

روشتة إنقاذ البيوت من "مقصلة الخلع"

ولأن الهدف هو البناء لا الهدم، يضع المتخصصون "روشتة" عاجلة لتفادي الوصول إلى هذه المرحلة المتأخرة من النزاع القضائي:

أولاً: "المصارحة قبل المصاهرة"؛ يجب أن يكون الاتفاق على العمل بنداً واضحاً لا يقبل التأويل في فترة الخطوبة، ويفضل توثيقه معنوياً بين العائلتين لضمان عدم التراجع.

ثانياً: "المشاركة لا التنافس"؛ على الزوج أن يدرك أن نجاح زوجته هو نجاح له ولأسرته، وأن عملها يمنحها توازناً نفسياً ينعكس إيجاباً على تربية الأبناء وهدوء المنزل.

ثالثاً: "التنظيم المرن"؛ يجب على الزوجة أيضاً أن توازن بين طموحها المهني وبين مسؤولياتها الأسرية، مع ضرورة مشاركة الزوج في الأعباء المنزلية، فالحياة الزوجية "شركة" وليست "عسكرية".

رابعاً: "الاستقلال المادي الواضح"؛ يجب الاتفاق على كيفية إدارة الموارد المالية بوضوح، بحيث لا يتحول راتب الزوجة إلى نقطة خلاف أو محاولة للاستغلال من طرف ضد الآخر.

يظل "الخلع" هو الملاذ الأخير لامرأة شعرت أن جدران البيت تضيق على أحلامها، وأن شريك حياتها تحول إلى "سجان" يمنعها من التحليق في سماء النجاح. الاحترام المتبادل للطموح هو الضمانة الوحيدة لاستمرار أي زواج في عصر لم تعد فيه المرأة مجرد "تابع"، بل أصبحت شريكاً أصيلاً في بناء المجتمع والوطن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة