كانت الليلة الساهرة التى أقامتها الملكة نازلى فى سراى القبة يوم 29 مارس، مثل هذا اليوم، 1939، لزفاف ابنتها الأميرة فوزية على محمد رضا بهلوى ولى عهد الامبراطور الإيرانى، ليلة ساحرة باهرة، جمعت بين الذوق والفن وأبهة الملك، حسبما تذكر مجلة «آخر ساعة» فى عددها، 2 أبريل 1939.
بلغ عدد المدعوين 500 من أعضاء البيت المالك، وقرينات الوزراء الحاليين والسابقين، وكان عدد الآنسات قليل جدا، ولم يحضر من الرجال إلا بعض الأمراء والنبلاء ورجال السراى، وتذكر «آخر ساعة» أن الحفل انتهى فى الساعة الثانية صباحا، وفى الساعة العاشرة دخل الملك فاروق السرادق، وبعد لحظات بدأت الآنسة أم كلثوم فى الغناء، وقدمت أغنيتين أعدتهما خصيصا لهذه المناسبة، تأليف بديع خيرى، ولحن الأولى رياض السنباطى، ومطلعها «مبروك على سموك وسموه/ نسب إيران والنيل الغالى/ ياللى القمر قال لك فى علوه/ أغيب وتطلعى انت بدالى/ يا بخت مملكتين/ بفرحكم لتنين/ داعيين براحة البال وهدوء/ مبروك على سموك وسموه».
ولحن الموسيقار محمد القصبجى الأغنية الثانية، ومن كلماتها: «يوم الزفاف هتفت أرواح/ من شعب مسرور متهنى/ واستقبله البلبل صداح/ ع الغصن فرحان بيغنى/ ويردد الألحان/ للصفو لما حان/ فى مصر وف إيران/ ولا يبقى فى الإمكان أبدع من اللى كان/ يا بهجتك يا زمان».
كان الزفاف بعد أن تم عقد القران بين العروسين يوم 15 مارس 1939، وتحررت وثيقته من صورتين واحدة بالعربية وأخرى بالفارسية، وقضى ولى العهد الإيرانى شهر مارس كله فى مصر بعد أن حضر من إيران لعقد قرانه وزفافه ثم سفره بعروسه إلى طهران، وقامت «آخر ساعة» بتغطيات موسعة عن الحدث طوال شهر مارس كما تابعته منذ إعلان الخطوبة فى شهر مايو 1938، وفى 19 مارس 1939 نشرت تقريرها المثير، بعنوان «كيف تمت خطوبة الأميرة فوزية؟»، وتكشف فيه أن السياسة كانت هى السبب الرئيسى فى هذا الزواج.
تذكر «آخر ساعة»، فى تقريرها المنشور يوم 19 مارس 1939، أنه فى يونيو 1937 شهدت العاصمة العراقية بغداد اجتماعا للتفاوض حول قيام معاهدة للتحالف الرباعى بين تركيا وإيران والعراق وأفغانستان، وخلال الاجتماع قال الدكتور «رشدى آراس» وزير الخارجية التركى ان انضمام مصر يقوى هذا التحالف، فعلق سفير إيران فى بغداد «مظفر علام»، قائلا، إن زواج ولى عهد إيران من إحدى شقيقات ملك مصر يقوى العلاقة بين مصر ودول التحالف، فأعجب الحاضرون بالفكرة، واقترحوا على وزير خارجية تركيا مفاتحة إمبراطور إيران فى الموضوع، وبالفعل سافر «رشدى آراس» إلى طهران، وفاتح الإمبراطور فرد: «إننى أحب مصر وأقدر عظمتها، ويسرنى أن تجلس على هذا العرش (وأشار إلى عرشه) شقيقة ملك مصر، فيجمع هذا الزواج بين مدينتين عظيمتين».
تضيف «آخر ساعة»، أن الإمبراطور سأل وزير الخارجية التركى: كيف يمكن تحقيق هذه الفكرة؟ أجاب «آراس»: دعها لى أنا كفيل بتحقيقها، وتذكر «آخر ساعة»، إن جلالة الشاه الإمبراطور استدعى ولى العهد وقال له: سنخطب لك شقيقة ملك مصر، فسأله الأمير: ما شكلها ؟ رد الشاه: لا أعرف، يمكنك أن تستفسر، وكلف الأمير بعض موظفى السراى بالبحث عن صورة للأميرة فوزية فلم يجدوا، وسألوا بطريقة رسمية فى المفوضية المصرية فى طهران عن صورة لها فلم يجدوا أيضا، وأخيرا وردت مجلة إنجليزية وفيها صورة للأميرة فوزية فى لندن ومعها شقيقاتها الأميرات، وأعجب الشاه والأمير بالصورة.
تكشف «آخر ساعة» أن الإمبراطور استدعى وزيره المفوض فى القاهرة، وعين بدلا منه سعادة «جواد سنكى» وكلفه بجس النبض، فاتصل بالنحاس باشا رئيس الوزراء، فقال رفعته أن الأميرة فوزية صغيرة السن (15 عاما)، ولكنه وعد برفع الأمر إلى جلالة الملك فاروق، ثم حدث أن أقيلت وزارة النحاس، لكن المفاوضات تواصلت بين وزير إيران ورئيس ديوان الملك فاروق، وانتهت بإعلان الخطوبة فى مايو سنة 1938.
تذكر «آخر ساعة» فى تقرير منشور فى العدد الصادر يوم 29 مايو 1938، أنه كانت هناك عقبات أمام إتمام هذه الفكرة أهمها مسألة المذهب الإسلامي، لأن ولى العهد محمد رضا «شيعى» المذهب، وبينه وبين «السنة» مذهب المصريين بعض الخلاف، وتؤكد «آخر ساعة» أن فضيلة الشيخ مصطفى المراغى شيخ الأزهر استشير فى الأمر، فرد بالإيجاب قائلا: «ليس فى الإسلام ما يمنع هذا الزواج»، وتضيف أن على ماهر باشا رئيس الديوان كان من أشد المتحمسين لهذا الزواج، وقام بتذليل كل العقبات فى سبيل إتمامه، وتذكر: «يرى رفعة رئيس الديوان أن اليوم الذى تبدأ فيه الأسرة المالكة المصرية بمصاهرة الأسر المالكة الإسلامية، هو اليوم الذى تبدأ فيه عظمة مصر الحديثة، وما يرجى لها فى أن تكون أكبر درة فى تاج الإسلام وهو حلم كثيرا ما قال رفعة رئيس الديوان إنه سوف يتحقق على يدى جلالة الملك فاروق».