أمل الحناوى

الدور المصري.. والغليان الإقليمي

السبت، 28 مارس 2026 04:08 م


لعبة خلط الأوراق في المنطقة مستمرة.


وفي العمليات العسكرية المدمرة التي نشهد فصولها المتتابعة، يلفت انتباهنا خطأ الحسابات من جانب الأطراف الأساسية في هذه الحرب، سواء إسرائيل أو أمريكا أو إيران. وإلا فما معنى -على سبيل المثال لا الحصر- أن إجمالي الهجمات الإيرانية وفقًا للبيانات الرسمية التي أعلنتها الدول المستهدفة بلغت 83% على دول الخليج مقابل 17% على إسرائيل. بل إن إيران أطلقت -حتى ساعة كتابة هذا المقال- 4391 صاروخًا ومسيّرة على دول الخليج، مقابل 930 صاروخًا ومسيّرة أطلقتها إيران على إسرائيل ما يعادل 17% من مجمل الهجمات. تعرضت دولة الإمارات العربية المتحدة للنصيب الأكبر من الاعتداءات الإيرانية بـ 2156 صاروخًا ومسيّرة، وتلتها الكويت التي استُهدفت بـ791 صاروخَا ومسيّرة، ثم السعودية (723 صاروخًا ومسيّرة)، فالبحرين (429 صاروخًا ومسيّرة)، ثم قطر (279 صاروخًا ومسيّرة)، وتأتي بعدها سلطنة عُمان (22 طائرة مسيّرة).

وفي الوقت الذي تحاول بعض الأطراف في هذه الحرب توسيع نطاق العدوان ورقعته لتشمل دول الخليج والأردن، يأتي الدور المصري الفعال لنزع فتيل الحرب، بل إن القاهرة سعت إلى احتواء الأزمة حتى قبل بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. إن موقف مصر واضح ومبدئي؛ إذ إنها ترفض بشكل قاطع هذه الحرب؛ لأنها حرب خاسرة، ليس فقط لكل الأطراف المشاركة فيها، وإنما تعد مصدر خسارة إقليمية ودولية بكل النتائج والتداعيات المترتبة عليها، من أزمة طاقة، وأزمات اقتصادية، وأزمة غذاء، وغيرها من الخسائر التي انعكست على العالم أجمع.

لهذا، تسارعت وتيرة التحركات الدبلوماسية المصرية لاحتواء الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، وظهرت القاهرة كأحد الأطراف الإقليمية التي تحاول منع توسع الحرب أكثر وإعادة فتح مسار التفاوض. في هذا الإطار، قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارات أخوية تضامنية إلى كل من دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر، ومن بعدهما السعودية والبحرين، في إطار تضامن ودعم ومساندة مصر الكاملين لدول مجلس التعاون الخليجي الشقيقة، في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، وتأكيدًا لإدانة ورفض مصر القاطعين للاعتداءات الآثمة وغير المبررة على أراضي الدول الشقيقة، ومحاولات الإضرار بأمنها ومقدراتها.
في هذا السياق أيضًا، توجه وزير الخارجية د. بدر عبد العاطي إلى إسلام آباد للمشاركة في الاجتماع الوزاري الرباعي لبحث تطورات التصعيد العسكري في المنطقة وجهود خفض التصعيد بالإقليم. وشدد وزير الخارجية على أن القاهرة ستواصل جهود الوساطة بسبب التداعيات السياسية والاقتصادية والجيوستراتيجية الخطيرة للحرب.

ولعل القراءة المتأنية للموقف الرسمي المصري تُبيّن بوضوح إدانة مصر للاعتداءات التي ارتكبتها إيران بحق دول الخليج العربي والأردن باعتبارها انتهاكًا صارخًا لسيادة الدول. إن هذه الاعتداءات الإيرانية لا يمكن النظر إليها بوصفها أحداثًا معزولة بل هي تطور بالغ الخطورة يمس منظومة الأمن العربي برمتها. ولا يخفى على أحد الموقف الراسخ لمصر، الذي يقوم على التضامن الكامل غير المشروط مع أشقائها، وتأكيد وقوفها إلى جانب الدول الشقيقة في مواجهة الاعتداءات الإيرانية، انطلاقًا من أن أمن دول الخليج العربي والأردن يعد جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

 

إن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا تتحرك مصر بكل ثقلها لوقف هذه العمليات العسكرية العدوانية؟

لقد أعلنت مصر بشكل متكرر أن الحل العسكري لن يؤدي إلا إلى فوضى واسعة، وأن التفاوض هو الطريق الوحيد لتجنب كارثة إقليمية، وأكدت وزارة الخارجية، دعمها لاستئناف التفاوض بين واشنطن وطهران، محذرةً من أن أي تصعيد سيؤثر على دول المنطقة بالكامل. وإذا كانت هذه الحرب تؤثر بالسلب على أمن الدول الشقيقة واستقرارها، فإن هذا التصعيد العسكري يؤثر أيضًا بشكل مباشر على مصر بسبب تهديد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، وتراجع حركة التجارة العالمية، وتأثر إيرادات قناة السويس.

إن تحركات القاهرة لوقف الحرب تهدف إلى تدارك الموقف قبل أن يتحول الأمر إلى أزمة اقتصادية عالمية كبرى. ولعلنا نذكر أنه في مارس 2026 شاركت مصر في اجتماعات عربية وإسلامية لبحث الحرب مع إيران ومحاولة التوصل إلى موقف موحد، لتعزيز الدور الإقليمي لمصر كوسيط رئيسي، مثلما حصل في العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان.

إن الزيارات التي أجراها الرئيس السيسي لدول الخليج في هذا التوقيت الحساس، تؤكد تعاظم الدور المصري كفاعل إقليمي مهم ومؤثر، باعتبار مصر أحد الأعمدة التقليدية للنظام الإقليمي العربي، وقدرتها على التحرك في ملفات معقدة تمس الأمن والاستقرار.. نظرًا لأن مصر تمتلك أدوات سياسية وأمنية ودبلوماسية مهمة، إلى جانب موقعها الجغرافي وتأثيرها في قضايا حيوية مثل أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط، بالإضافة لدورها في الملف الفلسطيني. وهذا الأمر يجعلها شريكًا أساسيًا في أي ترتيبات إقليمية تهدف إلى التهدئة أو إعادة التوازن.

من ناحية ثانية، علينا أن نلتفت إلى تحذيرات الأمم المتحدة من مجاعة عالمية بسبب حرب إيران؛ إذ يرى أنطونيو جوتيريش الأمين العام الحالي للأمم المتحدة أن الحرب في الشرق الأوسط خرجت عن السيطرة بعد نحو شهر من التصعيد، ودعا الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إنهائها فورًا، وطالب إيران بوقف الهجمات على جيرانها. وأكد جوتيريش أن دول الخليج تُعد من أهم موردي المواد الخام للأسمدة النيتروجينية، وأن العالم قد يواجه مجاعة قريبة مع اقتراب موسم الزراعة إذا لم تتوافر الأسمدة بشكل كافٍ. علاوة على ذلك، قال جوتيريش إن إغلاق مضيق هرمز قد يخنق تدفق النفط والغاز والأسمدة عالميًا، بشكل قد يزيد من اضطراب الأسواق العالمية، ويؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي. وأكد أن العمليات الإنسانية أصبحت مقيدة، وأن الفئات الأكثر فقرًا تتحمل العبء الأكبر من تداعيات الحرب.

إنها لحظة الحقيقة في منطقة عند نقطة الغليان.. ومصر حاضرة دائمًا كجزء من الحل عبر صوت العقل والحكمة، لا دوي القنابل والقذائف.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة