ربما يحتاج بعض السادة المتفرجين ومشجعى كرة الحرب، ألتراس الادعاءات، إلى معرفة أن ما يجرى الآن حرب، وليست مباراة كرة، حربٌ بكل ما تحمله من خسائر وضحايا، ولا يمكن أخذها ببساطة، مثلما يفعل بعض السادة ألتراس الحرب من الجالسين فى مدرجات مواقع التواصل، يزايدون على أنفسهم وغيرهم، ويتهمون كل من لا يتفق مع آرائهم بأنه «مع العدو»، و«يجعلصون الجعاليص»، بينما الأمر أبسط وأعمق من مجرد تصفيق أو تصفير، ويحتاج إلى تحليل وقراءة لصراع من ثلاث سنوات، فالعداء لاحتلال استيطانى صهيونى مجرم، لا يمنع من الدعوة لإعمال العقل والمناورة، بعيدا عن المزايدات، وفى كل حروب اليمين الأمريكى والصهيونى - حتى لو لم تنتصر أمريكا وإسرائيل - فقد نجحتا دائما فى نصب أفخاخ لأصحاب الحناجر، فوقعوا فيها.
وطوال عقود، كان لدينا عدد من العمقاء اعتادوا ترديد أن هناك مؤامرة لتفكيك المنطقة، وإعادة توزيع الجغرافيا، ومع هذا، فقد ذهبت أغلب أنظمة الهتاف إلى الفخاخ بأرجلها وجيوشها، من صدام حسين الذى اجتاح الكويت، إلى بشار الذى قتل شعبه، إلى ميليشيات وأحزاب جرّت الخراب على شعوبها أضعاف ما فعلت فى أعدائها.
وفى السياسة، لا يوجد ما يسمى «الرأى الوطنى»، بل يوجد التحليل السياسى لكل ما يجرى، ووارد تماما الاختلاف فى وجهات النظر، فمثلا، بالرغم من أن الكل يدين حرب الإبادة التى شنها الاحتلال على غزة، لا يمكن تجاهل أن هناك آراء ترى أن هجمات 7 أكتوبر وطوفان الأقصى لم تكن نصرا، بل كانت بداية جر المنطقة لحرب إقليمية لم تتوقف، وربما منحت نتنياهو مخرجا من أزماته، وذريعة لمواصلة حروب على كل الجبهات، وإيران التى ظهرت فى الصورة بنشوة انتصار، وجدت نفسها فى مواجهة مباشرة وليس حرب وكلاء، بعد التباهى بالسيطرة على ثلاث دول عربية، «العراق، وسوريا، ولبنان»، تم تخريبها بالصراع والفتن.
لا يمكن الادعاء بأن الموقف من حماس - أو حتى فتح - هو مقياس الوطنية، وغيره الخيانة، يمكن أن يكون المرء مع فلسطين، وليس مع أى مغامرات غير محسوبة تفتح بابا لاغتيالات واختراقات، وإذا لم ينتصر الاحتلال الصهيونى فى الحرب، فقد دمر غزة، ولم يكن يستطيع فعل هذا - بكل هذا الإجرام - من دون ذريعة، بل إن الحرب كانت بداية لمخططات التهجير إلى سيناء أو غيرها، وبالرغم من هذا، صمدت مصر ورفضت التهجير والإبادة، ووضعت خطوطها الحمراء، وواصلت جهدها لمواجهة حرب لم تكن طرفا فى إشعالها من واقع المسؤولية، وحرصت على فتح المعابر وتقديم كل ما تستطيع من مساعدات، وواجهت حروب أكاذيب من الاحتلال، وحصل الاحتلال على فرصة فشل سابقوه فى تحصيلها، ومنهم شارون.
عندما شنّ الاحتلال الحرب، أعلن حزب الله الدخول لمساندة غزة، وفى الواقع عجز عن مساندتها ولا مساندة نفسه وتعرض لاختراقات واغتيالات طالت قياداته، وجر لبنان إلى حرب لم يخترها ولم يستعد لها، ويأتى من يتحدث عن صمود وسط خراب بيروت، ويدفع اللبنانيون ثمنا، ومع هذا فإن مصر تدعم شعب لبنان وترسل مساعدات للضحايا وتساند الدولة اللبنانية، وتسعى لإنهاء الحرب.
فى إيران، جرت اختراقات داخل إيران، فى جولتين لم تكن الخسائر فيهما بسيطة، خسر الاحتلال وأيضا خسرت إيران وشعبها، فى حرب جنون، كان يمكن تجنبها ببعض المناورات، هى حرب اليمين الأمريكى واليمين المتطرف الصهيونى، واليمين الإيرانى، أرادوا الحرب كل بطريقته، وخلال عقود، ظلت المواجهة بين الاحتلال الصهيونى وإيران بيانات وتهديدات ومناورات، لكنها منذ «7 أكتوبر» صارت مواجهة واضحة، كانت مفاوضات جنيف فرصة لإبعاد الحرب حرصت أطراف كثيرة على تضييعها، سواء ترامب أو نتنياهو أو أنصار الصراع فى إيران التى - بذريعة وجود قواعد أمريكية فى دول الخليج - قصفت المدنيين، فهل مطار دبى من القواعد الأمريكية؟! وهل مطار أبوظبى أو فنادق فيرمونت وبرج العرب ومراكز مالية ومولات وأبراج هى من القواعد الأمريكية؟! وفى قطر لا توجد قواعد أمريكية فى مدينة رأس لفان الصناعية ومحيط مطار حمد الدولى، ولا فندق كراون بلازا، فى البحرين ومجمع مصفاة بابكو أو مطار الكويت ومصافى نفط الأحمدى، وفى السعودية حقل شيبة النفطى، ومصفاة رأس تنورة وينبع، ومناطق سكنية فى الخرج، والرياض، ولا ميناء الدقم فى عمان، هذه مجرد نماذج على مناطق مدنية قصفتها إيران، فى دول خليجية لم تعتدِ عليها، ولا يمكن لعاقل يدّعى العروبية والإنسانية أن يُقر هذا العدوان، والذى يوسع الصراع، وقد تمسكت دول الخليج بضبط النفس، بالرغم من أنها تمتلك أسلحة.
ولعل موقف مصر الواضح الحاسم، كان محاولة وقف الحرب من الأساس، وإدانتها، ثم التضامن والدعم للدول الشقيقة، بجانب أنه يتماشى مع الأمن القومى، والمصالح، ونظن أن أغلبية من المصريين ترى هذا، ولهم أبناء وأصدقاء وأقارب وأشقاء يحتاجون التعاطف والدعم، وهذا لا علاقة له بأن المرء ضد الاحتلال الصهيونى واليمين الأمريكى وجنون ترامب، يعارضون حربهم ضد إيران، وعدوان طهران على الخليج، أو تجنيد ميليشيات تمارس حربها ضد إرادة دولها.
الشاهد أن الاختلاف وارد، من منطلق نفس الوطنية والعروبة، ولا يعد هذا خروجا عن آراء عدد من ألتراس الحرب، ممن يزعمون أن آراءهم هى آراء الشعب المصرى، بينما هم فصيل من الناس يدافعون عن الخراب بدعوى الصمود.

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران