حازم حسين

وجه نيكسون ومرآة ترامب ومُجتبى

الخميس، 26 مارس 2026 02:00 م


محصلة الاتزان صفر. ينص قانون نيوتن الثالث على أن لكل فعل ردا مضادا فى الوجهة ومساويا فى الاتجاه.


الثبات دليل على تزامن المثيرات وتعادلها؛ أما الحركة فتتطلب قدرا من الانحراف فى الزمان أو المكان.


والتطابق لدرجة وقوع الحافر على الحافر لا يحرك الدراما، يُسيّل الاحتمالات، ويُبقى العالق من الأمور عالقا دون حلحلة أو أفق للاستشراف.


إذا تساوى فريقان فى اللياقة وخطة اللعب؛ فلا سبيل ليفوز أحدهما على الآخر إلا بالابتكار أو المصادفة.

 

بعض الملاعب تفرض منطقها على الجميع، وكذلك الميقات والجمهور والتحكيم وغيرها.


وإذا حيّدنا كامل العناصر المتغيرة؛ تتبقى المهارة الفردية، وكالبصمة يصعب أن تتكرر؛ غير أنها كبقية المواهب والعطايا، لا تُمنح لكل الناس.


يتقدم ترامب على مجتبى خامنئى، كما كان متقدما على والده الراحل.


رئيسٌ بالصناديق يواجه شيخًا بتفويض سماوىّ، وكلاهما يكره الآخر ويحسده.


يطمع الأول فى الشمولية، ويحلم الثانى بالقوّة الأسطورية، والشعارات أوفر ما يتاجران فيه، وأكثر ما يجيدان صناعته الخراب.


يستعيد سيد البيت الأبيض عقيدة مونرو، مع خليطٍ من أسوأ ما عرفته الأمة الأمريكية، ولولا الحرج لتفاخر بمدونة البطش والتجبُّر كاملةً، من إبادة السكان الأصليين، لقنبلة ترومان الذرية.


ولا يختلف المرشد كثيرا. يحمل الفُرسُ إرثًا ثقيلا تجاه الجوار القريب، وقد تحايلوا على نزعة العِرق وخطابات الشعوبية بالدين والمذهب.


وباعوا بضاعة الإخمينية والساسانية والصفوية تحت عمامة الولى الفقيه، نائبًا عن المهدى فى غيبته الكبرى.


اتُّخِذَت القِيَم مَطيّة، هنا وهناك. من مبادئ ويلسون عن الحق فى تقرير المصير قبل قرن، إلى محاربة الشيطان الأكبر ونُصرة المظلومين منذ ثورة الخمينى.


ما توقَّف الأمريكيون عن تجارة الدم والموت فى كل مكان، ولا قصّر الإيرانيون فى النَّيْل من كلِّ ما طالته أياديهم.


وجه ينعكس فى مرآة. أو وجهان لا تُفرّقهما إلّا اللحية، وأثر يتفاوت لاختلاف الأوزان فقط؛ غير أنه يحمل النكهة والثِقَل نفسيهما.


ولا فارق لدى ضحايا الطرفين، بين أن يتعاديا كحالهما الآن، أو يكونا صديقين كما فى زمن الشاه، وإبّان حرب الخليج الأولى، وعلى جثة العراق بعد إطاحة نظام البعث.


تسرّبت إيران من شقوق المنطقة، ورفعت راية فلسطين ضد أهلها وحاضنتهم اللصيقة. تُدافع عن بلد، وتتباهى بتخريب أربعة والسيطرة على عواصمها.


لدى إسرائيل مشروع عقائدى ماضوى مُجرم؛ ولكن الجمهورية الإسلامية لا ترفع لواء التنوير ولا تُوزّع الورود.


كلاهما خطر، وتوازنهما مطلوب. ولا يعود الانسداد إلا لكونهما من قماشة واحدة، ولا يبدو المستقبل غائمًا إلا لأنهما يسيران إليه بخريطة واحدة.


منح كيسنجر لرئيسه ريتشارد نيكسون قيمة مُضاعَفة. نجح الداهية فى تسويقه للخصوم والحلفاء ضمن هالة لامعة، واستغل نظرية «الرجل المجنون» على أحسن ما يكون.


احذروا.. إنه انفعالى متقلّب المزاج، ولا تُؤمَن ردود فعله، وقد يُفاجئ الجميع بخيارات من خارج الصندوق. وأثمرت اللعبة فى فيتنام وغيرها.


ترامب على الدرب يسير، ويبتدع تحت غطاء الجنون وعدم التوقّع.


غير أن الملالى وجنرالاتهم من صقور الحرس الثورى ينتهجون المسلك ذاته، ويتصلّبون إزاء الضغوط، ولا يُبدون رخاوة أو نيّة فى التراجع عن سياسة «حافة الهاوية».


شروط من البيت الأبيض، تقابلها مناورات وشروط مضادة. نُعومة مصطنعة، وأكاذيب مُرتّبة، وضغوط وترهيب ورسائل متضاربة.


يميل الميدان يمينا مع القوة، ويسارا مع الحيلة وادعاء الصمود. لدى الأمريكيين ما يُضخّم النار، وليس لدى الإيرانيين ما يخسرونه، أو هكذا يحاولون الإيحاء.


واشنطن فى مأزق حقيقى؛ لكن أزمة طهران أكبر، ويُبديان العكس.


الهيمنة على المجال الجوى لن تُسقط النظام، والصواريخ والمُسيّرات لا تضمن له البقاء أيضا.


ورقة أمريكية من خمسة عشر بندًا أقرب إلى وثيقة استسلام، وتعقيب إيرانى يطلب المستحيل تماما؛ لا سيما إخلاء القواعد والصمت على الباليستى والتخصيب.


سلوك مفهوم بمنطق التفاوض؛ فتبدأ من أعلى نقطة، لتفاوض على المساحة العريضة بينها والحد الأدنى المقبول.


الوسطاء على الخط. يُنكر صقور الجمهورية الإسلامية، من باب التقيّة والمعاريض، أو لأن القناة المباشرة لم تنفتح بعد.


وإذ يؤكد ترامب؛ فلأنه ينطلق غالبًا من حالة انعزال كاملة، فيقف وحده فى جانب، وينظر للعالم كله على الجانب الآخر، لا فارق بين حليف وغريم، ولا خصم ووسيط.


وتلك مفارقة ثانية؛ إذ لا تحسب إيران نفسها إلا على نفسها، ثم الميليشيات الرديفة. وتطلب إجلاء الأصول العسكرية الأجنبية، لا لشىء إلا الانفراد بالخرائط، وأن تكون ذَكرَها الوحيد.


وما فعلته سيُنتج أثرا عكسيا: يُقرّب الخليج لحليفه الأمريكى، يُعزّز صورة العدو الفارسى، يُبرهن على خطر الصواريخ والنووى، ويؤكد وجوبية الخلاص من الأذرع والوكلاء.


ستتوقف الجولة الحالية؛ ولو طال أمدها. كلاهما يعرف أنه لا سبيل لحسمها، ولا بديل عن تسوية آنية، تحضيرا لمواجهة تالية.


لا يكون الرجل المجنون فعّالا إلا مع عقلاء. أمّا فى عنبر المرضى العقليين؛ فلا يدوم الصخب؛ لكنه لا يخفُت إلا ليتفجّر مُجدّدا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة