مخططات التغيير فى منطقة الشرق الأوسط ليست وليدة اليوم، هى مخططات تمتد إلى نحو قرن كامل من الزمان، وتتجدد كل عقود برؤى ودوافع وأدوات تحرك.
هذه المخططات أدت إلى سقوط دول رئيسية فى المنطقة وربما البقية فى دائرة الاستهداف!
كان الهدف من هذه المخططات – ولا زال - هو استغلال عدم الاستقرار، ودعم فكرة الإسقاط من الداخل وتمهيد الأرض قبل أى عمل عسكري.
الآن منطقة الشرق الأوسط أمام مرحلة فارقة من التحولات المتسارعة، حيث تتقاطع فيها أفكار المصالح الإقليمية والدولية، مع تصاعد حدة التوترات بشكل ينذر بإعادة تشكيل خريطة النفوذ.
وسط كل هذه التحولات، تبرز واحدة من أخطر الإشكاليات التى تهدد استقرار الدول، وهى فكرة "التقديرات والحسابات الخاطئة"، التى كانت ولا تزال سبباً رئيسياً فى انزلاق بعض الدول نحو الفوضى أو فقدان توازنها الداخلى نتيجة تقليب المجتمع .
التاريخ القريب فى المنطقة، يقدم شواهد واضحة على أن سوء التقدير، سواء فى قراءة الواقع أو فى اتخاذ القرار، قد يؤدى إلى نتائج كارثية، وهو ما أشار إليه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى حينما أكد أن "بعض البلاد تضيع بسبب حسابات خاطئة" فى إشارة تحمل دلالات عميقة حول طبيعة المرحلة الحالية وخطورتها.
فى قلب هذا المشهد المضطرب، تبرز الدولة المصرية كنموذج للاستقرار داخل إقليم ملتهب، رغم ما تواجهه من تحديات داخلية معقدة، خاصة على صعيد التنمية، وفى ظل ضغوط ناتجة عن الاتجاهات الاستراتيجية الأربعة التى تحيط بها، بما تحمله من تهديدات أمنية وسياسية متباينة.
ورغم كل هذه التداعيات استطاعت مصر أن تحافظ على توازن دقيق بين متطلبات الأمن القومى واحتياجات التنمية والاستقرار، وهو ما يعكس صلابة مؤسساتها وقدرتها على الجاهزية وحرفية التعامل فى إدارة الأزمات.
التحركات المصرية الأخيرة على الصعيدين الإقليمى والدولى لم تأتِ بمعزل عن هذا السياق، بل عكست رؤية سياسية واضحة وحاسمة ترتكز على عدة ثوابت، فى مقدمتها تعزيز الاستقرار، ومنع الانزلاق نحو مزيد من التصعيد العسكري، والدفع نحو الحلول السياسية كخيار استراتيجي. وقد تجلى ذلك فى تكثيف الاتصالات مع الشركاء الدوليين والإقليميين، فى محاولة لاحتواء الأزمات المتصاعدة ومنع اتساع دائرة الصراع.
وفى هذا الإطار، اكتسبت الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسى أهمية خاصة، لا سيما أنها جاءت فى توقيت بالغ الحساسية، وشملت عددًا من الدول الشقيقة، من بينها المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، وسبقتها زيارات إلى الإمارات وقطر.
كل هذه التحركات تعكس عمق العلاقات التاريخية بين مصر وأشقائها، كما تؤكد وحدة المصير فى مواجهة التحديات المشتركة عربياً وإقليمياً.
وقد حملت هذه الجولة رسائل سياسية واضحة، أبرزها التأكيد على أن أمن دول الخليج العربى يمثل خطًا أحمر وجزءا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومى المصرى والعربي، إلى جانب الرفض القاطع لأى اعتداءات تمس سيادة الدول العربية. كما شددت على ضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والتفاوضية، بما يحفظ استقرار المنطقة ويصون مقدرات شعوبها وفقًا لمبادئ القانون الدولي.
هذه التحركات لم تكن مجرد مواقف سياسية، بل عكست مستوى غير مسبوق من التنسيق والتفاهم بين القيادات العربية، وهو ما يعزز من فرص ترسيخ مفهوم الأمن العربى الجماعي، ويعيد التأكيد على أهمية التضامن العربى كحائط صد أمام مخططات التفكيك وعدم الاستقرار.
على الصعيد الداخلي، لم يغفل الرئيس السيسى أهمية الوعى المجتمعى فى مواجهة التحديات، عندما دعا المواطنين إلى التفكير بعمق فى طبيعة ما تشهده المنطقة، مؤكدًا خاصة أن مصر تقف على "مفترق طرق حقيقي"، فى ظل ظروف صعبة وبالغة التعقيد.
الرئيس تحدث مراراً عن ضرورة الشفافية وتقديم المعلومات للمواطنين، وفتح المجال أمام المقترحات المدروسة، بما يعزز تماسك الجبهة الداخلية.
الحفاظ على الاستقرار فى هذه المرحلة لا يقتصر فقط على التحركات السياسية والدبلوماسية، بل يتطلب أيضًا تماسكًا داخليًا وثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، وهو ما يشكل أحد أهم عناصر القوة فى مواجهة التحديات.
فى النهاية، يمكن القول إن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل، تلعب فيها القرارات والتقديرات دوراً حاسماً فى تحديد مصير الدول.
وبينما تسقط بعض الدول فى فخ الحسابات الخاطئة، تحاول مصر أن ترسخ نموذجاً قائماً على التوازن والحكمة والعمل المشترك، بما يحفظ استقرارها ويعزز دورها كركيزة أساسية فى أمن واستقرار الإقليم.
الدولة المصرية تحافظ على ثوابتها .. لكنها لا تغفل المتغيرات وتداعياتها.