في قلب بحيرة المنزلة، وتحديداً داخل نطاق محمية "أشتوم الجميل" ببورسعيد، ترقد أطلال مدينة لم تكن مجرد تجمع سكني، بل كانت مدينة الصناعة وأرض التجارة في العصور الإسلامية.
مدينة تنيس، كانت يوماً ما عاصمة الإقليم الرابع والثغر الذي لا ينام، تحولت اليوم إلى تلال أثرية تحكي قصص المجد والانكسار وسط مياه البحيرة الهادئة.

بقايا صهاريج المياه الأثرية بتنيس
كسوة الكعبة وقماش "البوقلمون" السحري
لم تكن تنيس مدينة عادية، بل كانت "دار الطراز" الأولى في العالم الإسلامي، ومن خيوط الكتان الرفيعة نُسجت كسوة الكعبة المشرفة لقرون طويلة.
يروي المؤرخون ومنهم "ناصر خسرو" عن قماش "البوقلمون" الذي انفردت به تنيس، وهو نسيج يتغير لونه بتغير ساعات النهار، فتبدو القطعة الواحدة وكأنها لوحة حية تتفاعل مع الضوء، وهو سر صناعي لم تعرفه أي مدينة أخرى في العالم آنذاك. كانت الحلة الواحدة من ثياب تنيس قد تصل قيمتها إلى مئات الدنانير الذهبية، مما جعلها مطمعاً للقوى العظمى في ذلك الوقت.

أطلال الأسوار المحطمة بالجزيرة التاريخية
حصن بورسعيد المنيع أمام الغزاة
بسبب موقعها الاستراتيجي كبوابة شمالية لمصر، كانت تنيس مدينة محصنة بأسوار شاهقة، تضم قلاعاً وأبراجاً، ولها أبواب شهيرة مثل "باب القرط" و"باب بديرينية"، كانت مقراً للأسطول المصري وداراً لصناعة السفن، وصمدت ببسالة أمام غارات البيزنطيين والصليبيين.

تنيس.. منبع نسيج كسوة الكعبة
نهاية مأساوية
إلا أن القدر قرر نهاية مأساوية لهذا الصمود، ففي عام 1227م وأثناء الصراعات مع الصليبيين، أمر السلطان الكامل الأيوبي بهدم أسوارها وتحطيم قلاعها لقطع الطريق أمام الغزاة الذين كانوا يستخدمونها كقاعدة للهجوم على العمق المصري، فهجرها أهلها وتحولت المدينة العامرة إلى أطلال.

جزيرة تنيس
كنوز تحت الركام والماء
اليوم، تبرز جزيرة تنيس كأهم موقع أثري داخل محمية أشتوم الجميل، حيث تؤكد الأبحاث الأثرية التي قادها متخصصون، لكشف تخطيط عمراني فريد، حيث صهاريج المياه الضخمة التي كانت تخزن الأمطار لسقاية السكان، وبقايا "الطابية" الأيوبية، وأطلال المصانع التي كانت تضج بالحياة، الآثار المنقولة التي عُثر عليها من عملات وفخار وزجاج تؤكد أن هذه الجزيرة كانت حلقة الوصل بين الشرق والغرب.

محمية أشتوم تحضن تاريخ تنيس
التناغم بين التاريخ والبيئة
تحول موقع تنيس من "مدينة تجارية" إلى "كنز بيئي"، فالمحمية اليوم توفر حماية طبيعية لهذه الأطلال، و تداخل التاريخ مع التنوع البيولوجي لبحيرة المنزلة يمنح الزائر تجربة فريدة، حيث تمتزج أسراب الطيور المهاجرة مع بقايا الأعمدة الحجرية، مما يفتح الباب أمام نوع جديد من السياحة وهو "السياحة البيئية الأثرية".

غروب الشمس فوق أطلال تنيس
نداء لإنقاذ "فينيسيا" الشرق
رغم القيمة التاريخية، تظل تنيس بحاجة إلى مشروع قومي لإعادة إحيائها، ليس كمدينة سكنية، بل كمتحف مفتوح ومزار عالمي، إن ترميم الصهاريج المتبقية وتسهيل الوصول للجزيرة عبر رحلات بيئية منظمة يمكن أن يضع بورسعيد على خارطة السياحة الثقافية الدولية، ليعرف العالم أن تحت مياه المنزلة مدينة كانت يوماً ما تكسو أقدس بقع الأرض.