<< رأيت أطفالا تُبتر أطرافهم بلا تخدير ويرددون الحمد لله
<< أسرتى شجعتني على الذهاب للقطاع لمساعدة الفلسطينيين
<< أول حالة عالجتها لطفلة أصيبت بالمجاعة ثم توفيت لعدم وجود عناية مركزة
<< أجريت عمليات جراحية في الممرات وعلى الأرض بلا أدوات ولا مسكنات
<< شاهدت خلال ذهابي لشمال غزة عظام أجساد في الطرقات وكلاب تأكل لحوم البشر
<< ذهبنا لمواساه مدير مستشفى الشفاء بعد استشهاد عائلته فكان رده " لسنا أفضل من غيرنا"
<< مشهد نزوح الفلسطينيين من الشمال للجنوب يشبه يوم القيامة وحلووا البلاستيك المحروق لبنزين
<< عدد الشهداء المعلن رسميا في غزة أقل بكثير من الذين استشهدوا خلال العدوان
<< كنت أشاهد غزة تحترق من سيدني فقررت أن أكون بين جراحها لا أمام شاشتها
<< جنوب غزة بدا كأنه جنة مقارنة بما رأيته في الشمال
<< الاحتلال كان يتعامل مع أجساد الفلسطينيين أمام مراكز المساعدات وكأنها لعبة
<< عندما غادرت القطاع كان المرضى يبكون وينادون علينا "لمن ستتركوننا؟"
في زمن تتكاثر فيه صور الموت على الشاشات حتى تكاد تفقد معناها، كانت الطبيبة الأسترالية ندى أبو الرب تتابع المشاهد ذاتها من أقصى الأرض، لكن قلبها لم يعتدها، ولم يتعامل معها كخبر عابر، من سيدني البعيدة، كانت ترى غزة تحترق، أطفالا يصرخون تحت الركام، أمهات يحتضن أجسادا بلا حراك، وأطباء يواجهون المستحيل بأيد عارية.
لم تكن ندى مجرد مشاهد صامت، كانت تشعر أن كل صورة تخترق صدرها، وأن عجزها عن إنقاذ روح واحدة يثقلها أكثر من المسافات التي تفصلها عن القطاع المحاصر، ولم يكن قرارها بالسفر إلى غزة نزوة عاطفية عابرة، بل استجابة لنداء داخلي أقوى من الخوف، وأصدق من كل التحذيرات.
حاولت منذ الأيام الأولى للعدوان أن تصل، طرقت أبواب منظمات دولية، وواجهت الرفض تلو الآخر، فقط لأن جذورها فلسطينية، لكن الإصرار كان أقوى من العوائق، وحين فُتح لها الباب أخيرا، بعد شهور من الانتظار ومحاولات لم تتوقف، لم يكن أمامها سوى أن تلبّي النداء.
حين وطأت قدماها أرض القطاع، لم تشعر أن ما يحدث حقيقي، أصوات الرصاص والانفجارات لم تكن تسجيلا تلفزيونيا، بل واقعا يحيط بها من كل اتجاه، رأت أطفالا تمزقهم المجاعة قبل القذائف، ومرضى يموتون بسبب نقص الفيتامينات والأكسجين، وعمليات جراحية تُجرى بلا تخدير، وأطرافا تُبتر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لم تكن المأساة في كثافة الإصابات فقط، بل في نوعيتها، إصابات بدت وكأنها تُرسم على أجساد الضحايا بقصد وإصرار، وفي كل مرة كانت تظن أنها بلغت أقصى حدود الاحتمال، كانت تنتقل إلى مكان أكثر قسوة، حتى وصلت إلى مجمع الشفاء الطبي في شمال غزة، حيث بدت مشاهد الجنوب وكأنها "جنة" مقارنة بما رأته بالشمال، حسبما تؤكد في الحوار.
بين النزوح الجماعي، والجثث في الطرقات، والاستهداف المتواصل للمستشفى، عاشت ندى أياما أقرب إلى مشاهد مأساوية، ومع ذلك، لم يكن أكثر ما هزها هو الدمار، بل صبر الناس، أمهات يصمدن رغم فقدان أبناءهن، أطفال يُجرى لهم بتر بلا مسكنات ويرددون كلمات الرضا، وأطباء يعملون وقد فقدوا أحباءهم، لكنهم لم يغادروا مواقعهم.
لم تخرج ندى من القطاع كما دخلته، تركت خلفها مرضى يبكون عند وداعها، وخرجت بجسد أنهكته المجاعة والتسمم والتهديد، لكن بروح أكثر صلابة وإيمانا، غزة غيرتها للأفضل، حيث رأت شعبا يمتلك قدرة خارقة على الصبر رغم ما تعرض له من إبادة وحرمان.
حوالنا لشهور التواصل معها لكن كانت كل محاولاتنا تبوء بالفشل، لم نكن نعلم أنها تعالج في المستشفى بعد إصابتها بتسمم بعد خروجها من القطاع، في النهاية استطعنا الحديث معها، حدثتنا عن معجزات رأتها بعينيها خلال الحرب، ومشاهد وصفتها بأنها أشبه بيوم القيامة، وتضحيات لم تكن تتوقع أن تراها في حياتها، وإلى نص الحوار ..

ندى أبو الرب داخل إحدى مستشفيات غزة
في البداية.. متى اتخذت قرار الذهاب إلى غزة؟
عندما كنت أرى مشاهد المجازر في غزة على شاشة التلفاز وأنا في مكاني بأستراليا ولا أستطيع أن أفعل لهم شيئا، كان يمتلكني شعور صعب أشعر وكأنه يقتلني، فمنذ بداية الحرب وأنا أشاهد جثثا وأشلاء وأطفالا يصرخون، حاولت الذهاب للقطاع مع بداية العدوان وتواصلت مع منظمات دولية عديدة، ولكن فشلت كل محاولاتي، ورفضوا دخولي لأن أصولي فلسطينية.
كيف سعيت للسفر إلى القطاع؟
بعد عدة شهور تواصلت معي طبيبة صديقة من الولايات المتحدة الأمريكية، وهي من أصول عراقية، تعرفت عليها خلال عملنا في مخيمات النازحين السوريين بالأردن في 2017، كانت مسؤولة عن تنظيم دخول الأطباء للقطاع خلال الحرب، ووجدت أنها تطلب مني أن أحضر معها لغزة، ووافقت على الفور.
هل ساعدتك بالفعل للدخول إلى القطاع؟
لا.. سافرت في البداية من أستراليا إلى الأردن، وبدأت الاستعداد لدخول القطاع لعلاج الجرحى والمرضى، ولكن بعد هذا السفر الشاق والصعب تعرقلت عملية إدخالي لغزة، عندما تم رفض طلبي للدخول وعلاج المصابين، تواصلت مع منظمة أخرى، وبالفعل استطعت أخيرا الدخول، ولم أعرف أنه تم الموافقة على طلبي إلا قبل أربع ساعات فقط.
ماذا كان رد أهلك عندما علموا أنك تسافرين لغزة؟
أمي وأبي لم يقفا في طريقي للسفر إلى غزة، بل دعوا لي بالسلامة وأن يوفقني الله عز وجل في عملي، وبالفعل كانوا خائفين علي، لكن كانوا يرون أن أي إنسان يستطيع أن يدعم الفلسطينيين يجب أن يفعل ذلك مهما كانت التضحيات، لكن شقيقي حاول منعي بالفعل لخوفه الكبير علي، إلا أن والدي ووالدتي شجعوني على الذهاب هناك.
ما أول شعور لديك عندما وطأت قدميك القطاع؟
عندما دخلت غزة لم أشعر أن الموضوع جدي من هول ما شاهدته، رأيت جنود الاحتلال يطلقون الرصاص وسمعت أصوات انفجارات، لم أكن أتخيل أبدا هذا الوضع وأننى أراه على أرض الواقع وليست على شاشة التليفزيون.

الطبيبة ندى أبو الرب مع أحد أطفال غزة
ما أول مستشفى ذهبتِ له فور دخولك القطاع؟
أول شيء فعلناه عند دخولنا غزة هو التوجه إلى مستشفى شهداء الأقصى في المحافظة الوسطى بدير البلح.
كيف كان الوضع داخل المستشفى؟
رأيت مشاهد مأساوية منذ بداية دخولي، ولم أكن أتوقع أن أرى أسوأ من ذلك، لكن بعدما ذهبنا إلى مجمع الشفاء الطبي شعرنا أننا كنا في الجنة عندما تواجدنا في "شهداء الأقصى"، فالوضع في شمال القطاع كان أكثر سوءا مما يتوقعه أحد.
حديثنا عن أول مشهد تأثرت به فور دخولك المستشفى؟
عندما وصلنا مستشفى شهداء الأقصى، وجدنا مرضى يفترشون الأرض والشوارع، وجرحى أمام باب المستشفى، والدماء منتشرة على الأرضية، وهناك مصابون يتواجدون في خيام أعدتها الطواقم الطبية.
كيف كنت تقدمي الخدمة الصحية للمرضى في ظل انهيار المنظومة الصحية؟
كنا نجري عمليات جراحية في الممرات وأرضيات المستشفيات، ولم تكن هناك معدات طبية تساعدنا على إجراء تلك العمليات.
كم يوم عملت داخل مستشفى شهداء الأقصى؟
ظللنا في المستشفى لمدة خمسة أيام قبل أن ننتقل إلى مجمع الشفاء الطبي.

الطبيبة ندى أبو الرب
أحكِ لنا عن أول حالة مريض تعاملت معها داخل المستشفى؟
أول مريض عالجته كانت طفلة تبلغ من العمر سبع سنوات، جاء والدها بها إلى مستشفى شهداء الأقصى وقد توقف قلبها، فقمت بعمل إنعاش لقلبها، فوجئنا أن لديها نقص شديد في المعادن اللازمة للجسم، حيث تأثرت بالمجاعة كثيرا والمياه الملوثة، وأخبرني والدها بأن شقيقها توفي بالمجاعة أيضا.
ألم يكن هناك استعدادات كافية داخل المستشفى لاستقبال المرضى؟
لم يكن هناك عناية مركزية من أجل إدخال الأطفال المرضى والجوعى للعلاج، وتوفيت الطفلة التي كنت أعالجها، ووالدها لم يكن لديه أموال كي يدفنها، ثم جاء أبوها بشقيقها الآخر، الذي يبلغ من العمر تسع سنوات، لأعالجه، وكان أيضا يعاني من المجاعة، والحمد لله استطعنا علاجه.

الطبيبة ندى أبو الرب بعد تعرضها لتسمم خلال تواجدها بغزة
كيف كان وضع المرضى المصابين بالمجاعة داخل المستشفى؟
كان هناك العشرات من المرضى الفلسطينيين الذين ماتوا جوعى داخل المستشفى بسبب نقص الفيتامينات والمعادن، وبسبب الدمار الذي لحق بالمنظومة الطبية ونقص المستلزمات الطبية لم نستطع علاجهم، والغريب أن تلك الحالات لم تُسجل كموتى حرب، وحينها طلبت من الأطباء أن يسجلوا كل تلك الحالات كشهداء حرب، لأنه لولا العدوان ما عانوا من المجاعة، وهناك أشخاص كثيرون ماتوا داخل المستشفى بسبب نقص الأكسجين.
ماذا عن الإصابات التي وصلت المستشفى بسبب استهدافها أمام مراكز المساعدات الإنسانية؟
جاء لي طفل أصيب خلال محاولاته الحصول على طرد غذائي من مراكز المساعدات الإنسانية التي دشنتها الولايات المتحدة، وأتذكر أن الأطباء حينها كانوا يطلبون من المواطنين عدم الذهاب لمراكز المساعدات حتى لا يعودوا موتى أو مصابين، لأن المستشفيات كانت بالفعل ممتلئة بأعداد الجرحى ولم نعد نستطع استقبال المزيد، إلا أن الجوع الشديد كان يجبر هؤلاء الفلسطينيين على المخاطرة والذهاب للحصول على كيس طحين حتى لو كلفهم حياتهم.
كيف كانت طبيعة الإصابات التي تأتي من مراكز المساعدات الإنسانية الأمريكية؟
أعتقد أن الاحتلال كان يلعب خلال إطلاق النار على الفلسطينيين الذين يذهبون لمراكز المساعدات، لأننا كنا نلاحظ أن الاحتلال يضرب في يوم جميع الفلسطينيين في الرأس، وفي يوم آخر يطلقون الرصاص على الأجهزة التناسلية، وأيام أخرى في مناطق مختلفة من الجسم، بحيث يكون هناك تنسيق بين جنود الاحتلال أن هذا اليوم سيطلقون النار في مكان معين بجسد الفلسطينيين وكأنهم لعبة يتمرنون عليها، حالات البتر كانت كثيرة للغاية كل يوم، وفي بعض الأحيان كنا نضطر لبتر ثلاثة أو أربعة أطراف من جسد المواطن الفلسطيني، وبعض من كنا نبتر أطرافهم يكون لديهم إصابات في أماكن أخرى بالجسم ويستشهدون بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية.

الطبيبة ندى أبو الرب تعالج أحد المرضى بغزة
كيف كان الأطباء يجرون عمليات جراحية في ظل نقص المواد التخديرية والمسكنات؟
كنا نُجري عمليات جراحية للأطفال بدون تخدير أو مسكنات، ورغم ذلك كنا نسمع هؤلاء الأطفال يرددون "الحمد لله"، رغم الألم البشع الذي يتعرضون له.
ما أكثر المشاهد التي تأثرت بها خلال عملك بمستشفى شهداء الأقصى؟
رأيت بعيني أمهات فقدن أطفالهن بشكل كامل، ورغم ذلك يقولون "الحمد لله، نحن صابرون نحتسبهم عند الله شهداء"، ورأيت فيهم صبرا يدهش الجميع، جميعهم يحفظون القرآن ويتعاونون مع بعضهم ويخففون من آلامهم رغم قسوة ما يتعرضون له من حرب إبادة جماعية.
هل ذهبتِ لمكان آخر بعد عملك بمستشفى شهداء الأقصى؟
ذهبنا للشمال نحو مستشفى الشفاء، وكان ذلك خلال العملية العسكرية التي يشنها الاحتلال في تلك المنطقة.

الدكتورة ندى أبو الرب داخل القطاع
صفِ لنا المشاهد في الشمال خلال ذهابك للعمل بمجمع الشفاء؟
شعرت كأنه يوم القيامة وأنا أشاهد عمليات النزوح بالآلاف من الفلسطينيين في شوارع مدمرة بالكامل وأنقاض منازل، وأسر تحمل أطفالها على أكتافها ويهرولون نحو الجنوب، كانت الأعداد كبيرة للغاية والوضع مأساويا، وشاهد الناس هناك خلال النزوح يحولون البنزين المحروق إلى بلاستيك كي يستطيعوا حمل أغراضهم على سيارات والتوجه نحو جنوب القطاع.
ما هو أصعب مشهد لك خلال توجهكِ نحو شمال غزة؟
شاهدت جثثا ملقاة في الطرقات، وكلابا تأكل لحوم البشر، وعظام أجساد في الشوارع، الاحتلال في البداية رفض ذهابنا لشمال غزة، لكن استطعنا الوصول إلى مجمع الشفاء الطبي.
ماذا كان شعورك بعد وصولكِ مجمع الشفاء؟
عندما وصلنا إلى مستشفى الشفاء، اعتبرنا أنا وزملائي الأطباء الذين جاءوا معي أن جنوب غزة هو "أوروبا القطاع" بالنسبة لما رأيناه من مشاهد بشعة في الشمال، وهناك كان هناك استهداف متواصل للمستشفى، وبالتحديد للأطفال المتواجدين، والقصف كان يبدأ في الليل ويستمر لساعات طويلة.
بالتأكيد هذا تسبب في زيادة عدد الجرحى المقبلين على المجمع الطبي؟
بالفعل.. كل ساعتين كان يأتي لنا جرحى ومصابون بسبب هذا الاستهداف الإسرائيلي لمحيط المستشفى، بعضهم كان ينتمي لعائلة واحدة، وبعض العائلات استشهدت بالكامل داخل المستشفى ولم يتبق منها سوى فرد واحد فقط، وكان يصل لنا أطفال بدون رأس، وأحيانا تصل لنا جثث بها قدم طفل على رأس شخص آخر، كنت أشاهد فيلم رعب بشكل يومي، رغم أنني لست من هواة مشاهدة مشاهد الرعب في الأفلام.
عملتِ في مجمع الشفاء خلال فترة استشهاد عائلة مدير المستشفى.. كيف كان رد فعله؟
بالفعل.. في إحدى الأيام فوجئنا بأن عائلة الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء، جاءت للمستشفى وجميعهم شهداء، وكان هو على رأس عمله، ذهبنا له لنواسيه، وكانت عيونه مليئة بالوجع والألم، لكنه قال لنا: "إن لله وإنا إليه راجعون ونحن لسنا أفضل من غيرنا" وواصل عمله.

الدكتورة ندى أبو الرب مع والدتها وعائلة الطبيب حسام أبو صفية
كيف كان وضع الطواقم الطبية داخل القطاع؟
كل الأطباء الفلسطينيين الذين قابلتهم في غزة تدمرت بيوتهم، ولم أجد طبيبا إلا وأحد أفراد عائلته استشهد في الحرب.
هل فترة وجودكِ بغزة كان لها تأثير على شخصيتك؟
شخصيتي تغيرت للأفضل عقب دخولي غزة، وأصبحت شخصية إيجابية بعد ما رأيته من الفلسطينيين من شجاعة وبسالة وصمود، فلم أتعامل من قبل مع شعب يشبه أهل القطاع، فرأيت أنهم من أطهر شعوب الأرض، وكان لديهم قدرة كبيرة على التحمل والصبر لم أرها من قبل رغم ما تعرضوا له من مجازر وصلت إلى حد تبخر أعداد كثيرة من الجثث.
تحدثتِ أنك هناك جثث كثيرة تبخرت، هل هذا يعني وجود أعداد كبيرة من الشهداء لم يتم إحصاؤها؟
عدد الشهداء المعلن رسميا في غزة بسبب العدوان أقل بكثير من الذين استشهدوا خلال العدوان، لأن هناك جثث تبخرت بسبب شدة القصف، وهناك عائلات دفنت ذويها قبل وصولهم للمستشفى، وبالتالي لم يتم تسجيلهم، فما يتم إعلانه من عدد ضحايا أقل بقليل من الحقيقي.
شاهدنا نسبة كبيرة من تشوهات الأجنة داخل القطاع.. ما أسباب ذلك؟
هناك تشوهات أجنة كثيرة حدثت خلال الحرب بسبب المواد الكيميائية التي يلقيها الاحتلال من خلال قنابله وطائراته، بجانب المعلبات التي كانت تتناولها السيدات الحوامل، كما أن الاحتلال كان يضع مواد مخدرة على أكياس الطحين، مما كان يسبب حالة من الهلوسة لدى الفلسطينيين، إلا أنهم رغم هذه الهلوسة كانوا يقرأون القرآن باستمرار.

الدكتورة ندى أبو الرب داخل إحدى مستشفيات غزة
ما أكثر المشاهد الصادمة لكِ خلال عملك داخل غزة؟
من كثرة الصدمات التي شاهدتها خلال وجودي في غزة، من الصعب أن أختار أصعب لحظة أو مشهد رأيته. فقدت وجدت أم فقدت كل أفراد أسرتها، وطفل فقد كل عائلته، ولكن المشهد الذي لا يمكن أن أنساه هو للطفل عمر، جاء لمجمع الشفاء ولديه حروق تصل نسبتها إلى 90%، وفي الغالب إذا كانت نسبة الحروق 30% يتوفى الشخص، فما بالنا بهذه النسبة الكبيرة؟ ظل حيا لفترة طويلة وكنت أتابع علاجه، وكنا نغير له يوميا على الحروق، وكان دائما ما يردد "الحمد لله" رغم حالته الصحية السيئة، إلا أنه توفي في النهاية، وأسرته أصرت على أن أودعه قبل دفنه، وحينها رأيت مشهدا لن أنساه.
ماذا حدث؟
ذهبت لأودعه خلال تكفينه، ولكني رأيت وجهه يشع نورا ولا يوجد به أي حروق، كأنه لم يتوف بسبب تلك الحروق، قبلت وجهه وحاولت التقاط صورة للجثمان، لكن لم يظهر فيها وجهه، في الحقيقة خلال وجودي داخل القطاع شاهدت معجزات لم أجد لها تفسيرا حتى الآن.

الدكتورة ندى أبو الرب في مستشفى بغزة
هل هناك مشاهد أخرى تسببت في صدمة لكِ؟
من أصعب المشاهد أيضا كان لأحد الطواقم الطبية يدعى أحمد زكي، كان هو وعائلته في مجمع الشفاء الطبي، وعندما علموا باقتراب وقف إطلاق النار كانوا يحتفلون ليتعرضوا لقصف إسرائيلي ويستشهد 18 شخصا من العائلة قبل وقف إطلاق النار بساعة واحدة.
ما أصعب الأيام عليكِ خلال عملك بالقطاع؟
أصعب يومين مرا علي عندما تركت مجمع الشفاء الطبي، حينها كان المرضى يبكون ويطلبون منا ألا نتركهم، خاصة في ظل نقص الأطباء، وكانوا يرددون "لمن ستتركوننا؟"، حاولت بشتى الطرق ألا أغادر المستشفى، لكن المنطقة التي أدخلتنا القطاع أبلغتنا بسرعة المغادرة وألا نبلغ أحدا، في البداية رفضت، وحينها هددني الاحتلال.
كيف هددك الاحتلال؟
الاحتلال هددني بسبب تواصلي مع وسائل الإعلام ونشر فيديوهات تفضح جرائمه من داخل القطاع. وطلبت إسرائيل حينها من الصحفيين الأجانب ألا يتواصلوا معي حتى لا تصل الحقيقة، ثم أرسلوا لي رسالة بأنهم يراقبونني من خلال طائرات الدرون وأنهم قد يتخلصون مني دون أن يعرف أحد حال عدم توقفي عن نشر جرائمهم، وكانوا يرسلون لنا طعاما، وحينها تناولت سندوتش فلافل، ثم تعبت كثيرا وتعرضت لنزيف، وفوجئت أنه تم تسميمي، كان ذلك يوم الجمعة في شهر أكتوبر الماضي، ويوم السبت وصل لنا قرار بقبول خروجنا من غزة لأذهب إلى مستشفى في الأردن وتم علاجي.

الدكتورة ندى أبو الرب أمام مستشفى شهداء الأقصى
هل تعرضتِ لمجاعة داخل القطاع؟
تعرضت للمجاعة، حيث انخفض وزني 10 كيلو جرام. قبل دخولي للقطاع، الاحتلال رفض أن ندخل بأطعمة كثيرة أو أموال، وسمح لنا بأن يكون لدينا 1000 شيكل فقط، وهذا لا نستطيع شراء شيء فيه، وبعض أموالنا كنت نتبرع بها لأهلنا في غزة كي يتمكنوا من النزوح للجنوب، وكانت الأطعمة مرتفعة الأسعار بشكل كبير، رفضت إسرائيل أن ندخل بأطعمة مغذية ووافقوا فقط على التونة.
ما طبيعة الطعام الذي كنتم تأكلونه داخل المستشفى؟
كنا نتناول وجبة أرز غير آدمية كل يوم، والطعام كان قليلا ولا يكفي أحدا، والأموال التي كانت لدينا، كما قلت سابقا، كنا نساعد بها بعض الفلسطينيين على النزوح.

الدكتورة ندى أبو الرب داخل مستشفى بغزة
كيف تساعدين أهل غزة بعد مغادرتك للقطاع؟
بعد مغادرتي غزة، بدأت أتعاون مع منظمة خيرية في أستراليا لإجلاء المصابين والمرضى من القطاع إلى عدة دول، وأكثر دولة تستضيف المصابين وتقدم لهم كل الخدمات وتعاملهم معاملة جيدة هي مصر.