حازم حسين

خديعة ومَضيق وهدنة ساخنة

الأربعاء، 25 مارس 2026 02:00 م


بِوسع كل طرف أن يزعم النصر، ويزيد بتعليق جرس الهزيمة فى عُنق الغريم. وسيكون كلاهما صادقا نسبيًّا، وكاذبا فى الآن نفسه.

أحدثت الولايات المُتحدة بالجمهورية الإسلامية ما يُعوّقها لعقود؛ غير أن الأخيرة ما تزال صامدة ولمّا تسقط بعد.
وإذا تُقاس الحروب بالأهداف المُعلنة قبل المُضمَرة؛ فقد أخفق ترامب.

ولأنها صورة عن السياسة التى يُعاد إليها اليوم اضطرارا؛ فالملالى مثله تماما، أو يفوقونه فى الإخفاق.

عند النقطة التى كانا عليها قبل أربعة أسابيع؛ بفارق النزيف الحاد تحت العمامة، وانكسار الصدقية بأكثر مِمّا كان عليه حال البيت الأبيض.

مُسيّجة بالنار، وبما هو أقسى. ليست الأمور على ما يُرام فى إيران؛ وإن أنكرت، أو ادّعت العكس.

والإدارة الأمريكية لا تُحسَد على وضعها؛ لأنها ما أنجزت مقاصدها، ومُجبرة على التراجع، ويبدو أنها استُدرِجَت، أو بِيع لها الوهم، وأتاها نتنياهو من مأمنها، وخفّة رئيسها خفيف العقل!

السردية المُعتمَدة أن البرنامج النووى دُمِّر تماما فى يونيو الماضى، أو على الأقل أُعيد عقودًا للوراء. فإمّا أنه كذب سابقًا، أو يتّخذ الطلل ذريعة لغايات أكبر.

ولا تصلح الصواريخ الباليستية للتبرير؛ إذ ما تزال فى طور التكوّن والنضج، محدودة القدرة والمَديات، وتتوافر وسائل تحييدها.

كما أن الأذرع الإقليمية آخر ما تُفَسَّر به الإغارة؛ وقد انحسرت كثيرًا، وحُبِسَت وراء حوائط النار، ولم تعُد قادرة على إسناد الرأس، أو حماية نفسها والأطراف، ووضع الأعداء فى مَحكٍّ حقيقى.

حمل نتنياهو أوراقه تحت إبطه، فى رحلته الأمريكية الأخيرة قبل أسبوعين من القصف.

وبخطّة مُحكمة، أُقنِع سمسار العقارات والسياسة هناك؛ بأن الفرصة مواتية لتغيير حُكم الملالى.

اشترك رئيس الموساد فى الخداع. وُضِعت تظاهرات ديسمبر ويناير على الطاولة، وقِيل إن جَزَّ الرقاب الكُبرى؛ سيفتح الباب لتكرار الغضبة وإطاحة النظام.

تبدّى الوهم سريعًا. أيقن الصهيونى أنه فكّر بالتمنّى، وعرف الأمريكى أنه اقتيد من رقبته بمَكر الحليف الصغير.

ولن يعترفا قطعًا، كما لن يُحب زعيم الليكود أن تهدأ جبهة استمات فى إشعالها؛ غير أن العجوز الجمهورى لن يواصل المُغامرة، ومُضطرّ للبحث عن مَخرج.

غاب التكافؤ عن المواجهة؛ فكان التعويض من صقور الحرس الثورى بخلط الأوراق والساحات، واختلاق عُقدة استراتيجية تمنع إرخاء حبل الزمن؛ وإن لم تحقق التوازن الكامل.

خطيئة طهران الكُبرى فى استنفار الجوار واستعدائه. أبانت عن سوء نواياها، وضاعفت رواسب الماضى، وخسرت كل تعاطُفٍ ومُؤازرة، ورفعت الكُلفة على نفسها أضعاف الغُزاة.

الفارق الفعلىّ تحقق فى البحر لا البرّ. إذ كان خَنق مضيق هُرمز ذا أثر بالغ، بالرغم من مخاطره.

عزّز مخاوف العالم من تداعيات النزوة الأمريكية، وأخاف الأمريكيين أنفسهم، كما لم يدع الحرب فاصلاً مفتوحا فى الزمان والمكان.

تسبّب الإغلاق الجزئى لأيامٍ فى رفع أسعار النفط بأكثر من الثُلث. وبمُجرّد حديث ترامب العابر عن تجدّد المُحادثات، تراجعت بنحو 15%.

صار الإبحار فى المجهول مستحيلاً، والتوقف واجبًا، وأوجب منه المسارعة، أو التطمين بقُرب الموعد على الأقل.
تقود القاهرة جهود التهدئة، بشراكة مع تركيا وباكستان، وقطر من الكواليس لحساسية موقفها.

قالت «وول ستريت جورنال» فى تقريرٍ أمس، إنّ المخابرات المصرية توصّلت لفتح قناة مع الحرس، وبموجبها نشط الاتصال فى الاتجاهين، وأُرجئت تهديدات ترامب لمرافق الطاقة.

تنمو التسوية المرحلية ببطء، ومن المُحتمل أن يُعقَد لقاء فى إسلام آباد خلال أيام. ينضم فيه نائب الرئيس جى دى فانس، للمبعوثين ويتكوف وجاريد كوشنر، يُقابلهم رئيس البرلمان باقر قاليباف على رأس وفد إيرانى.

نفى الأخير؛ لكنها عادة طهران فى الجولات الشبيهة. وجُرح الكرامة أعلى من القفز المُتعجّل عليه، ومفهوم أن يسعوا لإظهار الصفقة على صورة النصر، وبعد تمنُّعهم وإلحاح العدوّ.

التوقّف المُؤقّت مُمكن، والاتفاق الشامل طويل المدى دونه عقبات. الشروط الأمريكية لن تهضمها المعدة الإيرانية، والعكس.

إنهاء النووى، وتجميد الباليستى سنوات مع تقليص مداه، والانقطاع عن الأذرع المُمانِعَة، تُقابلها المطالبة بضمانات لعدم تكرار الحرب، والتعويضات، والإقرار بالصواريخ وحقها فى التخصيب.

قاليباف من الصقور، وأكثر شراسة من لاريجانى الذى حُيِّدَ قبل أيام.

والخلاصة؛ أنّ واشنطن تصالحت مع الواقع. ستُكمل مع مُجتبى، وستقبل المُتاح بدلاً من طلب المستحيل.
الأمور ماضية نحو التهدئة؛ غير أنها ستكون فاصلاً عابرًا.

ترامب مزاجى، وكل الاحتمالات واردة معه. إغلاق المضيق لم يعُد مجرد تهديد، ونافذة أمانه أضيق منه؛ ولن يكون الأمر لاحقا بسهولة السابق.

التناقضات عميقة، والأزمة وجودية، وما لم ينقضّ جدار الفقهاء بثورتهم وولايتهم من تلقاء نفسه؛ فسيكون استدعاؤهم لرقصة النار من جديدٍ مسألةَ وقتٍ لا أكثر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة