بين طيات التاريخ المنسية يقبع رجل لم يكن مجرد عابر سبيل في سجلات التراث، بل كان محجةً للعقول وقبلة للباحثين عن أسرار الضاد وعلوم اليقين، إنه مرتضى الزبيدي، الذي رحل بجسده في القاهرة، لكن روحه ظلت عالقة في حبر "تاج العروس" ونبض "إتحاف السادة المتقين"، ولهذا يعيد المركز القومي للترجمة تسليط الضوء على هذا السفر الفكري البديع، كتاب "عالم مرتضى الزبيدي" الذي خط معالمه المستشرق الألماني ستيفان رايخموت، ونقله إلى العربية الدكتور محمد صبري الدالي.
سيرة مرتضى الزبيدي
تتبّع هذه الدراسة سيرة مرتضى الزبيدي، في رحلة تبدأ من جذوره العميقة في الهند، وصولًا إلى استقراره في قلب القاهرة، محاولة فك خيوط تلك الشبكة الواسعة من العلاقات العلمية والصداقات التي نسجها حول شخصيته الفريدة.
معجم الزبيدي
ويبرز الكتاب معجم الزبيدي الذي لم يكتمل بوصفه وثيقة استثنائية، إذ يعكس تراجم أساتذته وتلامذته، وكلّ من تقاطعت طرقهم معه في سنواته الأخيرة.
ولا يتوقف العمل عند السرد التاريخي، بل يغوص في تقص علمي عميق لأعظم مصنفاته: "تاج العروس في شرح جواهر القاموس"، وشرحه لكتاب "إحياء علوم الدين" للإمام أبو حامد الغزالي، المعروف بـ"إتحاف السادة المتقين"، كما يكشف الكتاب عن وجه آخر للزبيدي، إذ لم يكن فقيه لغة أو محدثًا أو صوفيًا فحسب، بل كان شغوفًا بالعلوم الطبيعية والتجريبية والجغرافيا، في مزيج فريد يجمع بين صرامة التعليم الإسلامي وثراء التجربة الإنسانية، وهو ما أضفى على مؤلفاته طابعًا خاصًا، يعكس ملامح مرحلةٍ سبقت تحولات العصر الصناعي والتحديات الأوروبية الكبرى.

سيرة مرتضى الزبيدي
إن هذا الكتاب ليس مجرد تأريخ لسيرة، بل هو استحضار للحظة كان فيها الحبر يكتب مصير الحضارات، دعوة للتأمل في سيرة إنسان اتسع فكره، حتى اتسع العالم في عينيه، فصار أثرًا لا يمحى، وظلا ممتدًا يحرس أبواب اللغة وبصائر القلوب.