محمد عبد الحميد الزهار

وهم الحسم السريع.. وكيف تُدار الحروب التي لا تنتهي؟

الإثنين، 23 مارس 2026 03:07 م


بقلم: د. محمد عبد الحميد الزهار
 

الحديث عن حسم سريع في حرب بحجم إيران… ليس تحليلًا سياسيًا، بل وهم استراتيجي يُباع للجمهور.

لم تعد الحروب في عالم اليوم تُحسم كما كانت تُحسم في الماضي.
لم يعد المشهد ببساطة: جيش يتقدم… وعاصمة تسقط… ونظام ينهار.

نحن أمام نمط مختلف تمامًا من الصراعات،
نمط لا يُقاس فيه النصر بالسيطرة على الأرض فقط،
بل بالقدرة على إدارة التعقيد… وتحمل الزمن… وتفكيك إرادة الخصم.

ومن هنا، يصبح الحديث عن “حسم سريع” في صراع بحجم المواجهة مع إيران، أقرب إلى التبسيط السياسي منه إلى التقدير الاستراتيجي.


أولًا: لأن الدولة لم تعد مركزًا واحدًا يمكن إسقاطه

الدولة الحديثة، خصوصًا في النماذج العقائدية أو الثورية، لم تعد تعتمد على مركز واحد للقرار أو القوة.

في الحالة الإيرانية نحن أمام:
• تعدد في مراكز النفوذ
• تشابك بين المؤسسة العسكرية والأمنية والعقائدية
• قدرة على إعادة إنتاج القيادة بسرعة

بمعنى آخر:
لا يوجد “زر إيقاف” يمكن الضغط عليه لإنهاء النظام.

وهنا تتغير معادلة الحرب:
من استهداف “الرأس”… إلى مواجهة “شبكة”.


ثانيًا: لأن التفوق العسكري لم يعد كافيًا

قد تمتلك قوة ما تفوقًا جويًا وتكنولوجيًا هائلًا،
لكن هذا التفوق لم يعد يترجم تلقائيًا إلى حسم سياسي.

التجارب الحديثة تقول بوضوح:
• يمكن تدمير البنية التحتية
• يمكن تحييد قدرات عسكرية
• لكن لا يمكن ضمان تغيير السلوك السياسي أو إسقاط الإرادة

وهنا يظهر الفارق بين:
إدارة المعركة… وتحقيق الهدف منها.


ثالثًا: لأن كلفة الحرب لم تعد عسكرية فقط

الحروب اليوم تُخاض على جبهات متعددة:
• أسواق الطاقة
• سلاسل الإمداد
• الرأي العام الداخلي
• تماسك التحالفات الدولية

أي تصعيد واسع في منطقة حساسة لا يظل محصورًا في الإطار العسكري، بل يتحول إلى أزمة إقليمية وربما عالمية مفتوحة.


رابعًا: لأن الطرف الأضعف لم يعد يسعى للانتصار… بل لتعطيل خصمه

لم يعد الهدف دائمًا هو تحقيق نصر مباشر،
بل أصبح الهدف هو:
• إطالة أمد الصراع
• رفع التكلفة على الخصم
• منعه من تحقيق نصر واضح

وهنا تتحول الحرب إلى صراع إرادات،
لا يُحسم بالسلاح فقط… بل بالقدرة على الاحتمال.


خامسًا: لأن الزمن أصبح عاملًا حاسمًا

الطرف الأقوى يحتاج إلى نتائج سريعة ليبرر قراراته،
بينما الطرف الآخر يراهن على عامل الزمن.

ومع كل يوم إضافي:
• تتزايد الضغوط الداخلية
• تتآكل شرعية القرار
• تتغير الحسابات الدولية

وبالتالي فإن الحرب التي لا تُحسم بسرعة…
قد تتحول تدريجيًا إلى عبء على من بدأها.


سادسًا: أين تقف مصر في هذا المشهد؟

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تبرز مصر كفاعل مختلف… ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل بحكم طبيعة الدولة المصرية نفسها.

مصر لا تنطلق من منطق المغامرة،
بل من منطق إدارة التوازن.
• تدرك خطورة الانزلاق إلى حرب مفتوحة
• تمتلك ميزة “الوسيط القادر”
• ترى أن استقرار الإقليم ضرورة أمن قومي لا خيار سياسي
• وتملك فرصة حقيقية للعب دور “قائد الاستقرار” في المنطقة


سابعًا: من التحليل إلى الحل… كيف تُدار هذه الحرب؟

إذا كان الحسم السريع وهمًا…
فإن البديل ليس الاستسلام للصراع، بل إدارته بذكاء.

وهنا يبرز إطار عملي يمكن أن يشكل مخرجًا واقعيًا:


1) تثبيت “قواعد اشتباك غير معلنة”

ليس الهدف إنهاء الحرب فورًا، بل منعها من الانفجار.
• وضع خطوط حمراء غير معلنة
• ضبط إيقاع الردود
• استخدام قنوات خلفية لتجنب التصعيد المفاجئ

النتيجة:
تحويل الصراع من فوضى مفتوحة… إلى صراع محسوب.


2) فتح مسار تفاوض غير رسمي

التفاوض العلني غالبًا يفشل تحت ضغط الإعلام والسياسة،
لكن القنوات الخلفية تصنع الفارق الحقيقي.

وهنا يمكن لمصر أن تلعب دورًا محوريًا في:
• نقل الرسائل
• تقليل سوء الفهم
• إدارة التهدئة التدريجية

3) تفكيك الصراع إلى ملفات جزئية

بدلًا من صراع شامل، يتم التعامل مع:
• الطاقة
• الملاحة
• الأمن الإقليمي
• الفواعل غير النظامية

كل ملف يُدار بشكل منفصل نسبيًا،
مما يقلل من احتمالات الانفجار الكبير.


4) بناء تحالف إقليمي لمنع الفوضى

ليس تحالف حرب… بل تحالف استقرار.
• حماية خطوط التجارة
• منع التصعيد
• خلق توازن إقليمي ضاغط نحو التهدئة

وهنا تتحول مصر من “وسيط” إلى “قائد استقرار”.


5) توظيف الاقتصاد كأداة تهدئة

في عالم اليوم… الاقتصاد قد يكون أقوى من السلاح.
• ربط التهدئة بحوافز اقتصادية
• تخفيف الضغوط مقابل تقليل التصعيد
• خلق مصالح مشتركة تمنع الانفجار

الخلاصة

لم يعد السؤال: من الأقوى؟
بل: من الأقدر على إدارة صراع طويل دون أن ينهار؟

في هذا النوع من الصراعات:
• قد لا ينتصر الطرف الأضعف
• لكنه يمنع خصمه من الانتصار

وهنا تتغير المعادلة بالكامل.

في زمن الحروب المعقدة لم يعد الانتصار هو إسقاط الخصم…
بل منعه من تحقيق أهدافه.

وفي منطقة تموج بالصراعات،
تظل الدول العاقلة هي التي لا تبحث عن نصر سريع…
بل تعمل على منع خسارة كبري

الحروب الكبرى لا تُحسم بالضربة القاضية… بل تُدار بالنَفَس الطويل، ومن يفهم ذلك لا يبحث عن نصر سريع… بل يمنع هزيمة استراتيجية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة