ثمة قول شائع يفيد أن اختيار المرء لمستشاريه يحدد مسبقاً نوع المشورة التي يريدها. استناداً إلى هذا القول وبالإضافة إلى السمات الشخصية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يمكن فهم أسباب اعتماده على مبعوثيه جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف في أكثر من ملف دولي شائك؛ أبرزها جهود الوساطة في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، والحرب الروسية الأوكرانية، والملف النووي الإيراني، وغيرها من الملفات التي اضطلعت فيها المؤسسة الرسمية الأمريكية بدور مركزي في الماضي غير البعيد.
وتلعب شخصية ترامب- التي شكلتها إلى حد كبير خلفيته في عالم التجارة والأعمال- دوراً كبيراً في رسم معالم سياسته الخارجية؛ إذ يتعامل معها وفق قواعد إبرام الصفقات، التي تتلخص في القدرة على التفاوض السريع، والابتعاد قدر الإمكان عن الأطر الدبلوماسية التقليدية التي تتسم بالبطء. يضاف إلى ذلك قناعته الراسخة بأن الدولة العميقة – التي تعد وزارة الخارجية جزءاً أصيلاً منها- تعارض نهجه؛ إذ تميل في أدائها إلى اتباع التقاليد المؤسسية وتبنيها الحلول التدريجية الأكثر استدامة. كما أن هذا النهج يتيح لترامب تعزيز قنوات التفاوض الخلفية، ما يخفف من الضغوط على المؤسسة الرسمية في الملفات الحساسة، ويتجاوز إلى حد كبير تعقيدات البروتوكولات الرسمية. إلى جانب هذا كله، تتيح هذه الآلية لدونالد ترامب القدرة على التفرد بالقرار في القضايا ذات الحساسية البالغة بعيداً عن معارضة المؤسسة الرسمية الأمريكية، التي طالما تباينت أراؤها في مثل هذه القضايا.
بالنظر إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما آلت إليه الأوضاع من عدوان إيراني على دول الخليج، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية التي باتت تلقي بظلالها ليس على دول المنطقة فحسب، بل على العالم أجمع؛ تبرز إخفاقات الدبلوماسية الأمريكية الجديدة في عهد دونالد ترامب بوصفها أحد مسببات الجوهرية للأزمة الراهنة. إذ طالت الانتقادات كلاً من كوشنر وويتكوف، مبعوثي الرئيس ترامب، نظراً لافتقارهما للكفاءة والخبرة الدبلوماسية الكافية للتعامل مع هذه الملفات الحساسة. وقد حفلت الصحف والمجلات الدولية بتقارير تعد أقرب للشهادات التاريخية حول أسباب فشل جهود الوساطة الأمريكية في أكثر من ملف؛ حيث اتهمت مجلة الفورين بوليسي الأمريكية كوشنر وويتكوف بالفوضى والارتجالية، ناهيك عن افتقارهم للخبرات المتخصصة في ملفات بالغة التعقيد. ففي مقابلة مع إحدى القنوات الأمريكية بعيد الحرب الأمريكية على إيران، سئل ويتكوف عن مستوى خلفيته المهنية لإدارة ملف بهذا التعقيد، فأجاب بأنه قد قرأ عن الملف النووي الإيراني بشكل يجعله مؤهلاً للتفاوض بشأنه. كما أشارت تقارير صحفية أخرى إلى تسرع المبعوثين في الوصول إلى استنتاجات حول الملف الإيراني، وضعف تواصلهم مع الإدارات المعنية في الحكومة الأمريكية.
أدى اعتماد ترامب على كوشنر وويتكوف إلى إخفاقات أمريكية ملحوظة في الملفات التي يتوليانها، وأفقد الأطراف المتنازعة الثقة في قدرة إدارة ترامب على إدارة الأزمات الدولية. فقد أشار باتريك وينتور، الصحفي المتخصص في الشؤون الدبلوماسية في صحيفة الجارديان إلى أن جهل كوشنر وويتكوف بملف المفاوضات النووية، وسوء فهمهما، وما شاب أدائهما من تضليل أدى إلى انهيار المباحثات مع إيران. إذ أورد واقعتين يبرزان هذا القصور؛ أولهما جهل ويتكوف بالجغرافيا حين أطلق على مضيق هرمز اسم خليج هرمز. أما الواقعة الأخرى فتمثلت في وصوله إلى سلطنة عمان يوم السادس من فبراير برفقة الأدميرال براد كوبر، مرتدياً زيه العسكري الكامل بشكل فاجأ معالي وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي. فما كان من المضيفين العُمانيين إلا الطلب من كوبر، بأدب، مغادرة الاجتماع.
يشير ما أعلن من وقائع رافقت عملية التفاوض حول الملف النووي الإيراني أن ثمة تمحور كامل داخل الإدارات الأمريكية حول رغبات دونالد ترامب. وعلى ما يبدو، ثمة ما يشبه اتقاقاً غير معلن بين المسؤولين التنفيذين في الإدارة الأمريكية على تنفيذ ما يريده الرئيس، لا ما توصي به المؤسسات. وأن الدائرة المقربة من دونالد ترامب- المتمثلة في صهره وشريكه- هي مركز صنع القرار الأوحد، بمنأى عن الأطر المؤسسية المتعارف عليها.
ولعل ورود اسم دونالد ترامب أكثر من 42 مرة في وثيقة الدفاع الوطني الأمريكية للعام 2026، مقابل ورود اسم سلفه جو بايدن مرتين فقط في الوثيقة نفسها خلال فترة رئاسته، خير شاهد على هذا التحول. وكأن المعادلة أصبحت تقول إن دونالد ترامب هو الولايات المتحدة، وأن الولايات المتحدة لم تعد كما عرفناها منذ سنين.