بيشوى رمزى

اقتصاديات التحالف.. بين إضفاء الشرعية وإدارة التكلفة

الإثنين، 23 مارس 2026 10:57 ص


لا يبدو صمود إيران أمام الهجمات الأمريكية والإسرائيلية صادما لإدارة الرئيس دونالد ترامب، بالقدر الذي أحدثته حالة التحفظ الدولي الواسع على دعوة واشنطن لتشكيل تحالف دولي لحماية مضيق هرمز، وهو ما يمثل امتدادا صريحا لرفض عدة دول أوروبية مطالب واشنطن باستخدام قواعدها العسكرية لشن الهجمات على طهران، غير أن هذا التحفظ لا ينفي وجود اصطفاف سياسي واسع، بقدر ما يعكس حدود هذا الاصطفاف وطبيعته المشروطة في ظل معادلات أكثر تعقيدا تحكم سلوك الدول.

ومن ثم، يثور التساؤل الملح، ليس فقط حول ما إذا كان الموقف الدولي انشقاقا على القيادة، وإنما أيضا حول طبيعة التحالف نفسه في مرحلة تبدو حرجة ودقيقة في النظام العالمي، خاصة مع التلويح الأمريكي المتواتر بالعقوبات على دول تتماهى معها سياسيا وأيديولوجيا وحضاريا، في الوقت الذي يتمثل فيه الهدف المعلن من وراء الدعوة في حماية المصلحة الجماعية لتأمين ممر بحري يمثل استمرار العمل به ضرورة وجودية للجميع.

في الماضي، كان التحالف قائما على قيادة واضحة لمعسكر من الدول، تتحرك جمعيا لتحقيق مصالحها العليا مقابل الحصول على مزايا، بينما كانت التكلفة في حينه منخفضة نسبيا، حيث كان النصيب الأكبر من الخسائر يقع على عاتق القوى الكبرى. إلا أن الأمور تبدو مختلفة في اللحظة الراهنة، إذ لم يعد مفهوم المشاركة الرمزية، التي تهدف إلى إضفاء الشرعية على التحرك، مقبولا، على غرار ما حدث في العراق وأفغانستان في بداية الألفية، بل باتت الحاجة إلى مشاركة فعلية تحمل تكاليف كبيرة، وهو ما يضع الدول أمام خيارين، إما الانغماس في معركة غير مضمونة، بما تحمله من تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية مباشرة، أو إعادة توجيه الضغوط نحو الحليف نفسه، في ضوء معطيات تنم ليس فقط عن تراجعه في تقديم المزايا، وإنما أيضا عن كون مواجهته دبلوماسيا قد تكون أقل كلفة من الدخول في حرب غير محسوبة.

المواجهة مع الحليف، أو بالأحرى المركز الدولي، تترتب عليها تكلفة، أبرزها الوقوع تحت وطأة العقوبات، التي لم تعد مجرد تجريد من المزايا أو أدوات للتضييق الاقتصادي، وإنما أصبحت وسيلة للحد من الوصول إلى الأدوات التي تمكن الدول من تفعيل دورها دوليا والانخراط كأطراف فاعلة داخل الشبكات الدولية الجديدة. ومع ذلك، فإن هذه المواجهة تفتح في الوقت نفسه مساحة للمناورة، سواء عبر إعادة التفاوض مع المركز، أو من خلال تقديم نفسها كطرف فاعل في شبكات أخرى منافسة، وهو ما لا يخلو بدوره من تكلفة إضافية، في ضوء الاختلاف الجذري بين حلفاء واشنطن والمراكز الشبكية الأخرى، التي وصل التنافس بينها إلى حد الصراع، كما هو الحال في الموقف الأوروبي من روسيا على خلفية الأزمة الأوكرانية.

هذا التحول يمكننا تسميته بـ"اقتصاديات التحالف"، حيث لم يعد الانخراط في التحالفات قائما فقط على اعتبارات سياسية أو أيديولوجية، بل بات يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بحجم التكلفة والعائد. وحتى في الحالات التي تشهد اصطفافًا دوليًا واسعًا، كما في البيان المشترك الصادر بشأن مضيق هرمز، فإن هذا الاصطفاف لا يعكس عودة إلى نمط التحالف التقليدي بقدر ما يكشف عن انخراط مشروط، تحتفظ فيه كل دولة بحق تحديد مستوى مشاركتها وحدود التكلفة التي يمكنها تحملها.

ولا يمكن النظر إلى الموقف الأوروبي من إيران بمعزل عن الأوضاع في أوكرانيا، وهو ما يمثل اختلافا جوهريا عن التحالفات السابقة التي انضمت إليها الدول الأوروبية لتعزيز الشرعية الأمريكية. فالدخول في المعترك الإيراني يعني فتح جبهة جديدة تضاف إلى المواجهة المندلعة بالفعل مع روسيا منذ أكثر من أربع سنوات، في وقت لم تجد فيه دول القارة العجوز الدعم المنتظر من واشنطن، الأمر الذي يجعل قرار الانخراط في مواجهة مباشرة خاضعا لحسابات دقيقة تتعلق بقدرة هذه الدول على تحمل تكاليف جبهة إضافية.

وفي هذا الإطار، تمثل المقاربة بين إيران وأوكرانيا مدخلا مهما لفهم التحولات التي تمر بها التحالفات الدولية، إذ يكشف الموقف الأمريكي والأوروبي من الانغماس المباشر في الحرب ضد روسيا وإيران عن قاسم مشترك يتمثل في إدارة تكلفة المواجهة المباشرة، مع اختلاف واضح في موقع كل طرف. فواشنطن، رغم إمكاناتها وموقعها القيادي، تجنبت الانخراط في حرب مباشرة، إدراكا لتكلفتها المرتفعة، ومن ثم يصبح من الصعب مطالبة الحلفاء بتحمل عبء جبهة إضافية. وفي المقابل، تجد الدول الأوروبية نفسها بين ضغوط الحليف من جهة، وتهديدات الخصم من جهة أخرى، بما يجعل سيادتها عرضة لإعادة التشكيل، سواء عبر ضغوط الحليف الذي يسعى إلى التأثير في قرارها، أو عبر واقع يفرضه الخصم على الأرض.

ولعل الدور الأوروبي في التحالف مع واشنطن بات بدوره محل اختبار حقيقي، في ضوء هذه المعطيات، إذ يعكس انخراط الولايات المتحدة في مواجهة مع إيران، في سياق يخدم مصالح حليف آخر لها هو إسرائيل، أولوياتها في إدارة شبكتها الدولية، خاصة في ظل وجود تباينات واضحة بين أوروبا وإسرائيل حول عدد من الملفات، من بينها الاعترافات الأوروبية المتزايدة بالدولة الفلسطينية، والرفض الأوروبي للعدوان على غزة، فضلا عن تجاهل المصالح الأوروبية في بعض مناطق النفوذ الإقليمي. وهو ما يعني أن الموقف الأوروبي لا يعبر عن تمرد على القيادة، بقدر ما يعكس محاولة لرفع قيمة السيادة في مواجهة المركز الشبكي.

وهنا يمكننا القول بأن الموقف الأوروبي لا يمثل حالة استثنائية، بقدر ما يعكس تحولا أعمق في منطق تفاعل الدول داخل النظام الدولي. فالعالم لم يعد يُدار وفق تحالفات قائمة على الامتثال، وإنما وفق معادلات أكثر تعقيدا تتصدرها تكلفة القرار وحدود القدرة على تحملها. ولم تعد السيادة معطى ثابتا، بل أصبحت قيمة ديناميكية تخضع لإعادة التقدير المستمر صعودا وهبوطا، بحسب موقع الدولة داخل الشبكات الدولية، وقدرتها على المناورة بين ضغوط الحلفاء وتهديدات الخصوم. ومن ثم، فإن ما نشهده اليوم لا يمثل مجرد اختلاف في المواقف، بقدر ما يعكس بداية تشكل نمط جديد من العلاقات الدولية، تتراجع فيه فكرة القيادة لصالح إدارة التكاليف، وتعاد فيه صياغة السيادة بوصفها نتاجا مباشرا لهذه المعادلة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة