بدأت أوروبا إعادة تقييم سياستها الطاقية، مع التركيز على العودة إلى الطاقة النووية كخيار استراتيجي لتعزيز الاستقلالية والأمن الطاقي. في ضوء ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا والأزمات المتكررة في الشرق الأوسط.
وأشارت تقرير نشرته صحيفة لاراثون الإسبانية إلى أن هذه التوجهات جاءت هذه التوجهات خلال قمة الطاقة النووية في باريس، حيث أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، أن الاتحاد الأوروبي ارتكب خطأ استراتيجيًا عندما تخلى عن الطاقة النووية، مشيرة إلى أنها تعتبر مصدرًا موثوقًا للطاقة، منخفض التكلفة وذو انبعاثات منخفضة، قادر على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، الذي يترك القارة عرضة لتقلبات أسعار النفط والغاز.
تحقيق السيادة والاستقلالية
وشدد رافائيل جروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، على أن الطاقة النووية تمنح أوروبا القدرة على تحقيق السيادة والاستقلالية في قطاع الطاقة، وتقليل التبعية للدول المنتجة للنفط والغاز، مع تعزيز الاستقرار الاقتصادي.
ماكرون: الاعتماد على الوقود الاحفورى نقطة ضعف اوروبا
من جهته، أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أن الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد يمثل أحد أكبر نقاط ضعف الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى الأزمات السابقة مثل حرب روسيا وأوكرانيا عام 2022، والتوترات الحالية في الشرق الأوسط التي أثرت على أسعار النفط، مما دفع أوروبا لإعادة النظر في خياراتها الاستراتيجية.
وأكدت فون دير لايين على ضرورة دمج الطاقة النووية مع مصادر الطاقة المتجددة، مشيرة إلى دور المفاعلات الصغيرة المعيارية (SMR) والتقدم في تكنولوجيا الاندماج النووي في جعل أوروبا مركزًا عالميًا للطاقة النظيفة والمتقدمة.
وقد أعلنت المفوضية تخصيص 200 مليون يورو لتطوير هذه التقنيات من خلال سوق انبعاثات الكربون للاتحاد الأوروبي، حيث تُخصص عوائد بيع حقوق الانبعاثات لدعم التحول للطاقة النظيفة وتعزيز القدرة التنافسية الأوروبية.
6 مفاعلات نووية
وتعتبر فرنسا الدولة الأكثر طموحًا في خطط الطاقة النووية، حيث تنص خطة الطاقة متعددة السنوات 2026-2035 على بناء ستة مفاعلات نووية من الجيل الثالث بحلول عام 2050، باستخدام نموذج المفاعل الفرنسي EPR الذي طورته شركتا فراماتوم وسيمنس. ويضم الأسطول النووي الفرنسي حاليًا 57 مفاعلًا في 19 محطة، يغطي أكثر من 67% من استهلاك الكهرباء الوطني، مع برامج تحديث مستمرة للمفاعلات القديمة ضمن برنامج Grand Carénage لتعزيز الكفاءة والسلامة.
دول أخرى تعزز قدراتها النووية
إلى جانب فرنسا وألمانيا وإيطاليا، تسعى عدة دول أوروبية أخرى لتعزيز قدراتها النووية وضمان الأمن الطاقي والاستقلالية الاقتصادية.
على سبيل المثال، المملكة المتحدة تبني مشاريع كبرى مثل Hinkley Point C وSizewell C لدعم شبكة الكهرباء الوطنية وتقليل الاعتماد على الغاز والفحم، وتعمل بلجيكا على تحديث مفاعلاتها القائمة وتأجيل إغلاق بعضها لمواجهة نقص الإمدادات الكهربائية، بينما تخطط هولندا لإنشاء مفاعلات صغيرة معيارية (SMR) لدعم استقرار الطاقة.
وفي الشمال الأوروبي، تعتبر فنلندا من الدول الرائدة، بعد إنشاء مفاعل Olkiluoto 3 من الجيل الثالث، مع خطط لمزيد من المفاعلات الصغيرة لدعم الطاقة النظيفة. أما السويد وسويسرا فتستثمران في تحديث مفاعلهما القديمة ودمجها مع الطاقة المتجددة، لضمان شبكة طاقة مستقرة وفعالة، وتقليل الانبعاثات الكربونية، هذه التحركات تظهر حرص أوروبا على تنويع مصادر الطاقة النووية، تعزيز الاستدامة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، خاصة في ظل التقلبات العالمية في أسواق النفط والغاز والصراعات الإقليمية.
تحديات تواجه أوروبا
من بين التحديات الكبيرة أمام استراتيجية الطاقة النووية، تأمين إمدادات اليورانيوم، حيث تعتمد أوروبا بشكل كبير على الخارج. روسيا وحدها تسيطر على نحو 45% من قدرة التخصيب العالمية لأغراض مدنية، بينما كانت فرنسا تعتمد تاريخيًا على النيجر، لكن انقلاب 2023 أثر على استقرار الإمدادات. نتيجة لذلك، بدأت فرنسا وأوروبا التواصل مع دول أخرى مثل منجوليا وكازاخستان وأوزبكستان لضمان استمرار توريد اليورانيوم الضروري لتشغيل المفاعلات الجديدة والحالية.
بالإضافة إلى ذلك، تركز القارة على تعزيز البحث والتطوير في تكنولوجيا المفاعلات النووية الصغيرة والمتقدمة، بما في ذلك المفاعلات التي تعمل بالاندماج النووي، والتي تعد حلاً مستقبليًا قادرًا على إنتاج طاقة نظيفة وآمنة بكميات كبيرة مع تقليل النفايات النووية. ويرى الخبراء أن هذا الدمج بين الطاقة النووية والمتجددة يمكن أن يوفر نموذجًا مستدامًا للطاقة في أوروبا، مع الحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري وتقلباته.