كانت الساعة السابعة والنصف صباح 22 مارس، مثل هذا اليوم، 1948 حين خرج المستشار أحمد الخازندار الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة من منزله بحلوان ليلحق بالقطار المتجه إلى القاهرة، وبينما يسير على الرصيف فى حدود البيت المجاور لبيته خرجت يد الغدر لتطلق عليه رصاصات قاتلة، وفقا لمجلة «آخر ساعة» عدد رقم 700، يوم 24 مارس 1948.
تذكر «آخر ساعة» أن الجناة أطلقوا 14 رصاصة على «الخازندار»، ولم يتوقف إطلاق الرصاصات حين سقط أمامهم على الأرض، وإنما استمروا حتى استقرت بعضها فى الكلى، وتضيف «آخر ساعة» أن رئيس الحكومة «النقراشى باشا» انتقل لمنزل الفقيد، وجلس بين أبنائه الثلاثة، محمد «19 سنة»، محمود «18 سنة»، حسين «11سنة»، وحين صافح النقراشى الابن الأكبر قال وهو يمسح دموعه: «دول وحوش، دول مش ناس أبدا»، وأكد الطبيب الشرعى أنه كان هناك تصميم ثابت على القتل، وحمى فى الاندفاع إليه، وهو التفسير الوحيد لهذا العدد من الرصاصات.
كان «الخازندار» فى التاسعة والخمسين من عمره «مواليد 5 ديسمبر 1889» ويصفه أحمد مرتضى المراغى آخر وزير داخلية قبل ثورة 23 يوليو 1952، فى مذكراته «شاهد على حكم فاروق» بأنه كان يتميز بالعلم الغزير ونزاهة لا يرقى إليها الشك، ويكشف سبب الجريمة، قائلا، إن المحكمة انعقدت برئاسته لمحاكمة إرهابيين من الإخوان اتهموا بحيازة متفجرات وأسلحة، وعرضت القضية على دائرة أخرى تلقت تهديدات عديدة بالقتل، وأخذت تؤجل حتى انتهت للدائرة التى يرأسها، وطلب محامو المتهمين التأجيل، لكنه رفض وأصر على نظرها رغم تهديده بالقتل برسائل أو مكالمات هاتفية، وحكم على المتهمين مدة طويلة بالأشغال الشاقة، فصدر عليه حكم الإعدام من محكمة الإخوان.
كان أحمد عادل كمال أحد شباب الجماعة وقتئذ وعضو تنظيمها الخاص، ويعمل بالبنك الأهلى، ويكشف فى مذكراته «النقط فوق الحروف» تفاصيل الجريمة مؤكدا، أنه عن طريقه تحدد عنوان الخازندار كأول كخطوة لعمليتهم الإرهابية، لأنه كان من عملاء البنك، ويكشف أنه كان فى البنك، حين شاهد موظفا أجنبيا يندفع وسط المكاتب ويصيح: «جمدوا حساب أحمد بك الخازندار، فسأله أحدهم: لماذا؟ قال، جاء خبر بالتليفون أنه مات، ضربوه بالرصاص».
يعلق كمال: «لم يكن الخبر عند موظف البنك أكثر من ذلك ولكنه عندى كان أكثر، وما إن انتهيت من عملى حتى انطلقت لأطمئن على ما حدث، ولم تكن الأخبار مطمئنة، لقد اغتاله اثنان من إخواننا فى الصباح، وقبض عليهما.
ويكشف خطة «الجماعة» لتصفية الخازندار، قائلا، إنه اختير حسن عبدالحافظ ومحمود سعيد زينهم لاصطياد الرجل، وتبين من مراقبته أنه يذهب إلى المحكمة فى باب الخلق، ويعود إلى حلوان بالمواصلات العادية سيرا على الأقدام إلى محطة سكة حديد حلوان ثم القطار إلى باب اللوق ثم المواصلات المعتادة، وأبانت الدراسة أن قسم بوليس حلوان لا تتبعه سيارات، فوضعت الخطة بانتظار خروجه من بيته فيغتاله حسن عبدالحافظ بالمسدس، بينما يقف له محمود حارسا وحاميا لانسحابه بالمسدس وبقنابل يدوية صوتية ثم ينسحبان، ويمنعان تتبعهما من الجماهير بإطلاق الرصاص فى الهواء وإلقاء القنابل، ويكون انسحابهما فى غير تتبع من أحد إلى بيت عبدالرحمن السندى «رئيس النظام الخاص».. يؤكد: «باتا ليلة الحادث أيضا فى بيت السندى».
يضيف: «قبل موعد خروج الخازندار من بيته ترصّده الصائدان، ثم خرج فى خطوات وئيدة، وكان محمود بعيدا بعض الشيء يرقب الطريق والمارة، ويرقب أيضا أخاه فى المهمة، بينما تقدم حسن وأطلق طلقات لعلها كانت ثلاثا لم تصب الهدف ولم يضيع محمود الفرصة، فترك مكانه وتقدم نحو الخازندار، وقيل إنه أمسك به من ذراعه وأوقعه، كان محمود مصارعا ورياضيا مكتمل الجسم مثل الجمل الأورق، وصوب إليه مسدسه فأفرغ فيه ما شاء، ثم تركه وانسحب بزميله، وخرجت الأرملة تصيح من الشرفة: «ألم أقل لك يا أحمد بك.. ألم أقل لك.. أنا مش قلت لك..؟».
يضيف كمال: «كان «العجلاتى» القريب من البيت يفتح محله حين سمع إطلاق الرصاص وصراخ الزوجة، ووجد الخازندار ممددا فى دمائه، فانطلق بإحدى دراجاته إلى قسم البوليس، وكانت مفاجأة القسم الذى كان معلوما خلوه من السيارات، أن تصادف أن جاءته سيارة لنقل بعض المحجوزين به، وانطلق الكونستابل الذى كان يصاحب السيارة بها فى أثر الفارّين، وتغير الموقف فاتجه القتلة محمود وحسن صوب الجبل بدلا من اتجاههما إلى بيت «السندى»، واجتازا فى انسحابهما بعض أسوار الحدائق والبيوت، وسقط حسن فجزعت قدمه، واضطر محمود أن يحمله أو يسنده بعض الوقت، وتوالت قوات البوليس من القسم نحو الجبل، ثم لم يلبث أن ضرب على الجبل حصار من العباسية إلى حلوان على مسافة تزيد على ثلاثين كيلوامترا، وتقدمت تلك القوات إلى داخل الجبل فقبضت على محمود وحسن».