كل عام وكل أم بخير، كل عام وأنتِ الحياة إلى من كانت البداية لكل شيء جميل، إلى من صنعت المعنى الحقيقي للحب دون انتظار مقابل، إلى القلب الذي يفيض حنانًا، والعطاء الذي لا يعرف حدودًا، إلى اليد التي تمسح الألم فيصير طمأنينة، وإلى الدعاء الذي يسبق الخطى فيمهد الطريق، نرفع أسمى آيات التقدير والامتنان في يومها، عرفانًا بما قدمته من تضحيات، وما غرسته من قيم، وما منحته من دفء يسكن الروح، وما بثته من أمان يجعل العالم أقل قسوة وأكثر رحمة.
أنت الحكاية التي تبدأ بها الحياة، والدعاء الذي يفتح له باب السماء، والنور الذي لا يخفت مهما تعاقبت الأيام، والظل الذي نلوذ به كلما اشتد علينا وهج الحياة، والنبض الذي يعلمنا كيف نحب، وكيف نصبر، وكيف ننهض أقوي من جديد، أنت الذاكرة التي لا تغيب، والوطن الذي يسكننا أينما ذهبنا، واليقين الذي لا يتزعزع في قلوبنا مهما تغيرت الظروف، حفظ الله أمهاتنا، وأدام وجودهن نورًا في حياتنا، ورحم من رحل عنا، وجعل عطائهن أثرًا ممتدًا كالعطر في الذاكرة وجزى الله كل أم عن رسالتها السامية خير الجزاء، كل عام وأنتِ الخير كله.
يعد بر الوالدين أحد المرتكزات الكبرى في البناء الأخلاقي، وقد جاء اقترانه بتوحيد الله تعالى في النص القرآني دلالة على رسوخ أثره في تشكيل الضمير الإنساني، قال تعالي ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾،(الإسراء: 23)، وهو اقتران يكشف عن وحدة المنظومة القيمية، وفي قلب هذا البناء القيمي، تتبوأ الأم مكانة خاصة فهي الحاضنة الأولى للإنسان، والمصدر الأول لتشكل وعيه وسلوكه، وهذا يؤسس لفهم أعمق لمركزية دور الأم في تكوين الإنسان جسديًا ونفسيًا وقيميًا، ومن ثم جاء تأكيد النبي ﷺ على تقديم الأم في البر ثلاث مرات، في حدثيه الشريف (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك)، تعبيرًا عن هذا الدور الوجودي والتربوي الذي تنهض به.
ويتمثل دور الأم في بناء الوعي القيمي للأبناء، فهي البيئة الأولى التي يتلقى فيها الطفل مفاهيم الخير والشر، والحق والباطل، عبر التفاعل اليومي والممارسة الحية حيث تتشكل البذور الأولى لما يمكن تسميته بالضمير الأخلاقي، فالأم تبث في أبناءها بشكل واعٍ منظومة من القيم التي تصبح لاحقًا مرجعية لسلوكهم، ومن ثم فهي فاعلًا رئيسًا في إنتاج المناعة القيمية، التي تحمي الإنسان من الانحرافات الفكرية والسلوكية، وتمنحه القدرة على التمييز والاختيار؛ إذا كان المجتمع في جوهره انعكاسًا لنوعية الأفراد الذين يتكون منهم، فإن هؤلاء الأفراد هم نتاج عملية تنشئة تبدأ داخل الأسرة، وتقوم الأم فيها بالدور الأكثر تأثيرًا، وتغرس في أبنائها قيم الانتماء والولاء للوطن، وتدفعهم إلى العمل والإنتاج، كما تؤسس لثقافة احترام القانون، وتقدير العمل، وتحمل المسؤولية، وبالتالي تصبح الأم شريكًا أساسيًا في بناء الدولة، عبر إعداد الإنسان القادر على البناء والتنمية.
وتمثل الأسرة الوحدة الأساسية في البناء الاجتماعي، ويعد تماسكها شرطًا ضروريًا لاستقرار المجتمع، حيث تضطلع الأم بدور محوري في تعزيز التماسك الأسري، من خلال ما تبثه من مشاعر الحنان، وما تمارسه من احتواء وتواصل إيجابي بين أفراد الأسرة، فهي مركز التوازن العاطفي الذي يمنح الأسرة إحساسها بالأمان، ويوفر مناخًا نفسيًا يساعد على النمو السليم، كما تسهم في إدارة العلاقات داخل الأسرة، وحل النزاعات، وتقريب وجهات النظر، بما يعزز روح التعاون والتفاهم، ويمتد دورها إلى شبكة العلاقات الاجتماعية الأوسع، حيث تسهم في تقوية صلة الرحم، وترسيخ ثقافة التراحم والتواصل، بما يحول دون التفكك الاجتماعي، وهكذا، تصبح الأم عنصرًا فاعلًا في بناء رأس المال الاجتماعي الذي تقوم عليه المجتمعات المتماسكة.
وتمارس الأم دورًا تربويًا بالغ الأهمية، يعتمد على الذكاء الفطري والخبرة والحدس أكثر من المعرفة النظرية المباشرة، فهي توجه سلوك الأبناء، تصحح مفاهيمهم، وتعزز القيم الإيجابية لديهم من خلال مواقف الحياة اليومية، مقدمًة النموذج العملي الذي يحتذى به، وبذلك تسهم في إنتاج جيل واعٍ قادر على التفكير النقدي، واتخاذ القرارات، والتفاعل الإيجابي مع محيطه، كما تظل الأم نموذجًا للصبر والتوازن رغم ضغوط الحياة وتحدياتها، حيث تبث التفاؤل، وتوفر بيئة داعمة تساعد الأسرة على تجاوز الأزمات، وتعزز ثقة الأبناء بأنفسهم من خلال دعم طموحاتهم وتشجيعهم على تحقيق أهدافهم، مما يقوي قدرتهم على التخطيط للمستقبل والتعامل مع التحديات بروح إيجابية وإصرار على النجاح.
إن الدور الذي تضطلع به الأم يستوجب تقديرًا دائمًا ووعيًا بقيمتها وأثرها الممتد في بناء الفرد والمجتمع، ومن ثم فإن برها يعد التزامًا أخلاقيًا وضرورة حضارية تضمن استمرارية البناء القيمي وترسخ أسس الاستقرار المجتمعي، ويتجلى بر الأم في حياتها في صور متعددة، تبدأ من الرعاية والاحترام والإحسان، وتمتد إلى حسن الصحبة، والتقدير العملي لدورها، والحرص على تلبية احتياجاتها المادية والمعنوية، كما أن تمكينها من أداء رسالتها، وتوفير بيئة داعمة لجهودها، يعد جزءًا لا يتجزأ من مسؤولية المجتمع تجاه ذاته، فالاستثمار في الأم هو في حقيقته استثمار في مستقبل الأجيال.
ونؤكد أن دعم الأم يؤسس لنهضة مستدامة قائمة على الأخلاق والمعرفة، فالأم الواعية القادرة على أداء دورها بكفاءة، تسهم في إعداد جيل يمتلك الوعي، ويؤمن بالقيم، ويقدر المسؤولية، ويستطيع مواجهة تحديات العصر بقدر من الاتزان والنضج، كما إن تكريم الأم، هو اعتراف كبير بدورها في صناعة المستقبل، وإقرار بمكانتها كركيزة أساسية في تشكيل الوعي الجمعي، فبقدر ما نحسن إليها ونوفر لها أسباب التمكين، نكون قد أسهمنا في بناء مجتمع أكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على التطور والاستمرار، وهكذا تظل الأم مصدر الحياة، ومنبع القيم، وركيزة البناء الإنساني، وضمير الأمة الحي الذي تتجدد به معاني الخير، وتستمد منه المجتمعات قدرتها على النهوض والتجدد، فهي البداية التي منها ينطلق الإنسان، والمرجعية التي يعود إليها في تشكيل وعيه، والأساس الذي تقوم عليه مسيرة التقدم نحو مستقبل أكثر وعيًا واتزانًا وتكاملًا.
ويظل بر الأم فعلًا ممتدًا والتزام إنساني وأخلاقي متجدد، يتمثل في القول الحسن، والرعاية الصادقة، والوفاء الذي لا ينقطع، ودعاء خالص يتردد في وجدان الأبناء، بأن يحفظ الله الأمهات، ويبارك في أعمارهن، ويرحم من مضى منهن، ويجزيهن عن عطائهن خير الجزاء، ولا يكتمل الحديث عن فضل الأم إلا بما يفيض به القلب من صدق الشعور وعمق الامتنان؛ فخواطري مع أمي لا تنقطع، وحبي لها وبري بها عهد ممتد ما امتدت الحياة، فهي الحضور الدائم والذاكرة التي يسكنها الدفء، فاللهم احفظ أمهاتنا برعايتك، وأدم عليهن الصحة والعافية، وارحم من رحل منهن رحمةً واسعة، واجعل ما قدمنه في موازين حسناتهن، وأعنا على دوام برهن والإحسان إليهن، ووفق أبناءنا ليكونوا من البارين بنا، في الدنيا والآخرة.. اللهم آمين.