في كثير من البيوت المصرية، يوجد ما يمكن تسميته بـ“صيدلية منزلية” ممتلئة بالأدوية كبقايا روشتات قديمة، عبوات مفتوحة منذ شهور، وأخرى لا يعرف أحد متى استُخدمت آخر مرة. ورغم أن الهدف من هذا التخزين هو “الاحتياط”، إلا أن الحقيقة الصادمة أن هذا السلوك قد يحول الدواء من وسيلة علاج إلى مصدر خطر حقيقي يهدد الصحة والحياة.
تؤكد هيئة الدواء المصرية أن لكل دواء شروط تخزين دقيقة يجب الالتزام بها، سواء من حيث درجة الحرارة أو الرطوبة أو التعرض للضوء، فبعض الأدوية تحتاج إلى الحفظ في درجات حرارة لا تتجاوز 25 درجة مئوية، وأخرى يجب وضعها في الثلاجة. تجاهل هذه التعليمات يؤدي إلى تلف المادة الفعالة، ما يعني ببساطة أن الدواء قد يفقد تأثيره، أو الأسوأ من ذلك، يتحول إلى مركب ضار.
المشكلة لا تتوقف عند سوء التخزين فقط، بل تمتد إلى استخدام أدوية بعد فتحها بفترة طويلة دون الانتباه إلى ما يُعرف بـ“مدة الصلاحية بعد الفتح”. كثير من القطرات والمحاليل، على سبيل المثال، تصبح غير آمنة بعد أسابيع قليلة من الاستخدام، حتى وإن كان تاريخ الصلاحية المدون على العبوة ما زال سارياً. وهنا يكمن الخطر الصامت.
الأخطر من ذلك هو تداول الأدوية بين أفراد الأسرة بناءً على تشابه الأعراض. كم مرة سمعنا جملة: “خد الدواء ده أنا جربته قبل كده”؟ هذا السلوك، رغم شيوعه، قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، خاصة مع المضادات الحيوية. الاستخدام العشوائي وغير المكتمل لهذه الأدوية يساهم بشكل مباشر في ظهور ما يُعرف بـمقاومة المضادات الحيوية، وهي أزمة صحية عالمية تهدد بعودة أمراض كان يمكن علاجها بسهولة في الماضي.
كما أن الاحتفاظ بأدوية منتهية الصلاحية أو مجهولة المصدر داخل المنزل يزيد من احتمالية التسمم الدوائي، خاصة لدى الأطفال أو كبار السن. وقد لا يدرك البعض أن بعض حالات التدهور الصحي المفاجئ قد يكون سببها دواء فاسد أو مخزن بشكل غير صحيح.
المسؤولية هنا ليست فقط فردية، بل مجتمعية. نحن بحاجة إلى تغيير ثقافة “تخزين الأدوية” إلى ثقافة “الاستخدام الآمن للدواء”. يجب ألا يُستخدم أي دواء دون استشارة طبية، وألا يتم الاحتفاظ بالأدوية إلا في حدود الضرورة، مع الالتزام التام بتعليمات التخزين المدونة على العبوة.
الرسالة واضحة: الدواء ليس سلعة عادية يمكن التعامل معها بعشوائية. هو مادة فعالة قد تنقذ الحياة أو تضرها، حسب طريقة التعامل معها. إعادة النظر في عاداتنا داخل منازلنا قد تكون خطوة بسيطة، لكنها كفيلة بحمايتنا من مخاطر صحية جسيمة قد لا ننتبه لها إلا بعد فوات الأوان