في تقاطع درامي مُلفت، تلتقي أزمة القاضِ يحيى الأسواني (محمود حميدة) في مسلسل "فرصة أخيرة" مع مأزق قاضٍ مأزوم آخر هو ماريانو دي سانتيس (توني سيرفيلو) في فيلم سورينتينو "La Grazia"؛ حيث يقف كلاهما، مع دنو نهاية ولايتهما، أمام قرار أخلاقي مصيري، ورغم تباين تفاصيل المعضلة، إلا أن الشخصيتين تقدمان تصورًا فلسفيًا للسلطة وانعكاساتها المباشرة على حيوات البشر والعائلة.
في مسلسل فرصة أخيرة للمخرج أحمد عادل سلامة، نجح السيناريست محمود عزت في تطويع قصة المؤلف أمين جمال، مخرجًا أوراقه الرابحة منذ الحلقات الأولى. وبالرغم من تقليدية القصة التي سبق واحتضنتها الدراما والسينما – ونستحضر هنا فيلم "رجل لهذا الزمان" للكاتب الراحل وحيد حامد – إلا أن قضايا البحث عن العدالة، وصراع السلطة والطبقية، والصدام الأزلي بين نص القانون والعرف الاجتماعي، تظل دائمًا مادة جاذبة للمؤلف والمشاهد على حد سواء، لما تحمله من إثارة وتشويق، لكن السؤال الجوهري يبقى: هل استطاع صناع العمل التحليق بعيدًا عن كلاسيكية هذا النوع، أم استسلمت القصة لمسارها المتوقع؟
منذ البداية، لم يستهلك السيناريو وقتًا طويلاً لإقحامنا في جوهر الصراع الذي سرعان ما يتشكل بين قطبين: يحيى الأسواني، القاضى النزيه الذي يقدس القانون، حتى لو جاء ذلك على حساب دفء أسرته التي ظل فيها مجرد شبح، مما خلق جفاءً وتوترُا مزمنًا مع ابنته الصغرى دلال (ندى موسى)؛ وغريمه بدر أباظة (طارق لطفي)، رجل الأعمال الصاعد من القاع، والذي يمزج بين نفوذه غير المشروع وكسب ولاء محيطه الشعبي في حي شبرا عبر المال والخدمات.
بينما يعتلي "الأسواني" المنصة لإرساء العدل الرسمي، نجد "أباظة" يفصل في النزاعات بقانونه الخاص؛ وهي لمحة ذكية من السيناريو وضعت الطرفين على ذات الدرجة من القوة والنفوذ، قبل أن يبدأ هذا البناء المحكم والإيقاع اللاهث في التفكك تدريجيًا مع تتابع الحلقات.
من المفترض أن تزداد حدة التشويق والإثارة في أي عمل درامي كلما نجحت الكتابة في التلاعب بمشاعر التوقع لدى المشاهد ورفع سقف المخاطر وتعقيد الخصم بإبراز دهاءه وغموضه لدفع البطل نحو قرارت تتجاوز حدود قدراته، والنتيجة: خلق صراع خانق، موتر، وحابس للأنفاس.
منذ اللحظات الأولى، نجد أنفسنا أمام توتر مشحون يغلي تحت السطح بين شخصيتي "الأسواني" و"أباظة"؛ صراعٌ ضارب في القدم يعود لزمن الجيرة في حي شبرا، قبل أن تتبدل الأحوال وينتقل القاضِ إلى هدوء فيلته في المعادي، وانغماس الآخر في حياة الرفاهية داخل أحد المجمعات السكنية الراقية محتميًا بأسطول من الشركات والمشاريع الضخمة، إلا أن كليهما ظل مصلوبًا عند جذوره القديمة.
لا يكشف لنا السيناريو الكثير عن كواليس هذا الخلاف التاريخي، سوى تلك المعرفة العميقة لدى المستشار بتاريخ عائلة "أباظة" التي قفزت من القاع إلى القمة بضربة حظ أو "رزق" بدأها الأب بائع "الروبابيكيا"، قبل أن يضاعفها الابن عبر طرق غير مشروعة. وقد بلغ الخلاف ذروته حين اصطدمت طموحات رجل الأعمال برغبة جامحة في الاستيلاء على منازل المنطقة القديمة لتحويلها إلى مجمع سكني فاخر، لتصبح شقة المستشار يحيى الأسواني هي حجر العثرة الأخير؛ حيث وقف القاضي بصلابة رافضًا كل أشكال المساومة، متمسكًا ببيته الذي لا يراه مجرد جدران، بل مستودعًا لذاكرته ومكتبته التي لا تقدر بثمن.
نتورط تدريجيًا في قلب هذا الصراع المحتدم حين يضطر "الأسواني" لقبول قضية قتل شائكة، يتصدر قائمة المتهمين فيها شقيق "بدر" الأصغر رفقة اثنين من زملائه المراهقين. كان للخبر وقع الصاعقة على رجل الأعمال؛ فهو يدرك جيدًا مدى النزاهة التي يتمتع بها هذا القاضي، وخبرته الواسعة في تقصي الحقائق والوصول إلى أبعد نقطة فيها، وهي الخبرة ذاتها التي كادت أن تكلّفه حياة أسرته في الماضي.
من هنا، تحول "الأسواني" إلى العائق الأكبر والوحيد في طريق "أباظة"، الذي قرر خوض الحرب بكامل أسلحته ونفوذه لانتشال شقيقه من هذه الورطة مهما كان الثمن؛ صراع لم يترك مجالاً للعودة إلى الوراء، خاصة بعدما بلغت الخصومة ذروتها بقرار "أباظة" المتهور باختطاف فيروز، حفيدة القاضي، في محاولة أخيرة ويائسة لإجباره على التنحي عن القضية وكسر إرادته.
منذ اللحظة التي اختُطفت فيها حفيدة "الأسواني"، بدأت الدراما تفقد حيويتها تدريجيًا، وتلاشى ذلك الإيقاع المتصاعد الذي ميز الحلقات الأولى للعمل. وبدلاً من أن يُشكل الخطف ذروة التوتر المفترضة، حدث العكس تمامًا؛ إذ وجدنا أنفسنا أسرى طيلة أربع أو خمس حلقات لمسار أحداثٍ يفتقر للحس الحقيقي بالخطر. تحول السرد إلى تنقل رتيب ومكرر ما بين مخبأ الخاطفين، ومحاولات الشرطة و"الأسواني" المتعثرة للبحث عن الطفلة المفقودة، في مقابل قرار "بدر" المتمهل للحظة المواتية التي تمكنه من تحريرها؛ فخفتت شرارة الصراع وسط هذا الانتظار الطويل الذي أفرغ الواقعة من زخمها.
يبدو للوهلة الأولى أن واقعة الخطف ذات صلة بطرفي الصراع الرئيسيين - وهي كذلك - لكنها استغرقت بحوارتها الضعيفة زمنًا طويلًا على الشاشة كان من الممكن اختزاله للحفاظ على حيوية الأحداث، لكنها ابعدتنا عن مسار القصة الأساسي وحولت أحد أطراف الصراع الأساسيين إلى مجرد ضيف شرف في مقابل مساحة أوسع لغريمه ما جعل ميزان الصراع يختل، وكأننا ندور في حلقة فارغة كتلك التي يدور داخلها "بدر" وهو يحاول تحرير الفتاة بحيلة تمنع عنه أي شبهات.
لم يقف تراجع الإيقاع عند هذا الحد، بل توغل السيناريو أكثر في دوامة من الصدف والقرارات غير المنطقية، التي أثارت من علامات الاستفهام حول دوافع الشخصيات أكثر مما أثارته من أسئلة درامية حقيقية في ذهن المشاهد. تأتي في مقدمة هذه الإشكاليات استقالة القاضي يحيى الأسواني؛ فما الشيء "غير القانوني" الذي دفع القاضِ يحيى الأسواني إلى تقديم استقاله ولا يستطيع فعله وهو يعتلي المنصة؟ وهل كان لزامًا عليه ترك عمله لينزل إلى الشارع ويبحث عن حفيدته في العشوائيات؟ أم أن الاستقالة كانت ضرورية للوصول إلى أدلة تدين شقيق "بدر أباظة" في جريمة قتل "فتاة المنصورية"، وهو القاضي المعروف أصلاً بـ "نفسه الطويل" وبحثه الميداني الدائم وراء قضاياه؟ إن غياب المنطق في هذه الدوافع جعل قرار ترك العمل يفتقد للمنطق.
وتكتمل فصول الاستسهال الدرامي بصدفٍ مجانية، كواقعة "عامل البوفيه" الذي يقتحم غرفة القضاة أثناء مداولة الحكم بكل بساطة، ليستمع إلى قرارهم ويسارع بإبلاغ محامي "بدر أباظة" بالمستجدات. يمتد هذا الخلل ليصل إلى شخصية الضابط حازم (علي الطيب)؛ الذي يظهر كأنه الشرطي الأوحد في الوزارة، فهو من يجري التحريات، وهو من يبحث عن الطفلة المخطوفة، وهو ذاته من يراقب تفاصيل العلاقة بين نجل القاضي وشقيقة رجل الأعمال، دون أي اعتبار لمنطقية توزيع الصلاحيات أو النطاق الجغرافي لعمله.
ثمة خطوط درامية بالغة القوة والعمق، كان من شأن الاشتغال عليها بشكل أكثر كثافةً وعمقًا أن ينقل العمل إلى مستوى فني مغاير تمامًا؛ وعلى رأسها تلك العلاقة المتوترة والمعقدة التي تربط القاضِ بنجليه "دلال" و"ياسين" (عمرو صالح).
ففي واحدة من المواجهات المُلفته بين الأب وابنته، تصف "دلال" مأساتها بمرارة بكونها "ابنة رجل غائب"؛ أب لم يكلف نفسه عناء الذهاب لمدرستها يومًا واحدًا في طفولتها، وظل ذهنه مشتتًا ومستغرقًا في القانون والقضاء. ومن هنا، يكتسب قرار سفرها لطليقها في أمريكا بعدًا تراجيديًا؛ فهي تسعى لمنح ابنتها فرصة للعيش قرب والدها، هربًا من تكرار لعنة الغياب التي طاردتها منذ الطفولة.
وعلى ذات الوتيرة، نجد "ياسين"؛ المهندس الأربعيني الذي اختار العيش مستقلاً في محاولة لترميم شخصيته بعيدًا عن سلطة وتسلط والده، الذي لا يفوت فرصة لفرض إملاءاته وقراراته. هذا التشريح النفسي يمتد ليشمل أيضًا الطبيعة الرمادية لشخصية "بدر أباظة"؛ ذلك الرجل الذي يمزج بتناقض صارخ بين حبه الجارف لأشقائه، واستعداده لارتكاب أي فعل غير أخلاقي في سبيل حمايتهم والدفاع عنهم.
تُشكل هذه التفاصيل الإنسانية الرمادية الركيزة الحقيقية لقوة الدراما بعيدًا عن صخب الخطف والمطاردات؛ وهو ما يتجلى في التقاطع ما بين شخصيتي "الأسواني" و"ماريانو" في بداية سطور هذا المقال. فالقاضِ عند "سورينتينو" يعيش مأزقًا وجوديًا يخص النعمة والخلاص، بينما يحيى الأسواني يعيش مأزقًا أبويًا بامتياز. السلطة هنا ليست مجرد مطرقة قاضٍ، بل هي عبء الأخلاق الذي يعزل صاحبه عن محيطه. يحيى الأسواني لم يفقد حفيدته في لحظة الخطف، بل فقد عائلته منذ زمن بسبب قدسية القانون التي جعلت منه مجرد صنم لا أب.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026