جرت العادة أن يقارن الجمهور والنقاد الدراما بالواقع، ودائمًا ما ينتصر الواقع لما يمثله من أحداث وقعت بالفعل، نعرفها، نلمسها، ونقرأ تفاصيلها في الصحف أو المواقع الإلكترونية بكل تشويق وإثارة، عناصرها مكتملة دون الحاجة إلى أن نتحايل على الخيال أو نضغط على العقل ليمنحنا تخمينات بالنهايات، فهي معروفة مسبقًا وقد نعرف الأحكام والنتائج، سواء بالسجن أو الإعدامات، أو حتى بالبراءات، لكن في مسلسل مثل "حكاية نرجس" تجاوزت الدراما الواقع، ممثلة لديها قدرات خاصة سرقت من المشاهد قدرًا كبيرًا من التعاطف معها، فأصبحت كلما ارتكبت جريمة برر لها، مرضت بالسرطان ودخلت دوامة البحث عن الطفل "يوسف"، قلنا ليته كان ابنها حقيقة، وتمنينا لها الشفاء العاجل لأنها أصبحت وحيدة ومنبوذة، هذا هو الدور الذي تلعبه الدراما كثيرًا؛ أن تسرق منها، إن صُنعت جيدًا وبممثلين موهوبين، كل ما تريد من تعاطف وتفاعل واندمام، لنصبح عناصر تتفاعل مع الحكاية ويتحول المفاجئ إلى جزء من الحكاية، والنقاد فاعلون مؤثرون.
الفرق بين ريهام عبد الغفور وغيرها من الممثلين أنها تنسي أن ما تقدمه نوع من التمثيل، بل لديها موهبة مفرطة في التعايش مع سردية الحكاية. لا تحكي، لا تقرأ نصًا مكتوبًا، بل قصة عرفتها وعاشتها بكل تداعياتها.
ساعدها في ذلك مخرج متمكن، سامح علاء، أراد أن يكشف عن إمكاناته في أن يحوّل المشاهد إلى بطل ضمن أبطال حكايته بالصورة، بالحركة، بالديكورات، والتصوير. أدار قصته بذكاء شديد بنص كتبه مؤلف شاطر هو عمار صبري.
في نقطة فارقة في صناعة العمل يأتي دور الكاستينج الذي قد يغفله الكثيرون، ففي "حكاية نرجس" نجح "الكاستينج دايركتور"، وهو خالد صفوت، في أن يمسك بالشخصيات ويضعها في مكانها الحقيقي، اختار أن يمتعنا بممثلين لديهم وجوه أخرى، حمزة العيلي ممثل ليس بوجه واحد، حتى في شهر رمضان، هو بأكثر من وجه ولا يمكن أن تربط بين ما يقدمه في "النص الثاني" كوميديا المحاكاة الساخرة، وهي من أصعب أنواع الكوميديا، ليدخل بشخصيته في "حكاية نرجس" إلى دراما من نوع مختلف، تضفير الموهبة مع الحالة والشخصية ليصبح على الشاشة مكونًا بديعًا بلغة جسد غاية في التعقيد، قدم عاجزًا ووجهًا عابثًا شاخت ملامحه من الهم والحزن، بشعر منكوش دائمًا وملابس أقرب إلى الرثة، غير آبه بالحياة. هذا هو الممثل الدارس المتمرس الفاهم لغة المسرح جيدًا، استفاد منها ليقدم على الشاشة دراما ناضجة مكتملة العناصر.
ساعدتنا تلك التركيبة التي تميزت بالخروج عن المقارنات بالواقع الحقيقي للقصة على أن نتعايش مع عمل بديع بممثلين ما كان لهم أن يكونوا مجرد عرائس مارينويت في يد المخرج، بل فاعلين جدًا بموهبتهم: سماح أنور، الخبرة في الأداء، تامر نبيل، القدير أحمد عزمي، شخصية جمال القهور دائمًا بفعل الظروف والزمن، الشاب يوسف رأفت ممثل ينتظره مستقبل باهر، وظهور رائع في الحلقات الأخيرة، وعلاقة معقدة باحثًا عن هويته وعن الأب والأم الحقيقيين وعتاب لمن ربوه ومن احتضنوه.
بسنت أبو باشا، إلهام وجدي، ودنيا ماهر أداء مختلف عما يقدمنه في أعمالهن السابقة.
الواقع هنا لم يأتِ بعد، بل قدم لنا سامح علاء واقعًا من صنع الدراما، من صنع الممثلين، من صنعه هو، ومن صنع عمار صبري، واقعًا أكثر قسوة مما عرفناه عن حكاية سيدة كانت جريمتها خطف الأطفال، فكل جرائم خطف الأطفال، في رأيي، قد لا تصل إلى هذا الأداء الذي عشناه مع صناع "حكاية نرجس".
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026