مع تصاعد أزمة الطاقة العالمية خلال 2026 ، عادت سياسات العمل من المنزل لتتصدر المشهد فى عدد من الدول ، خاصة فى أوروبا التي تسعى إلى تقليل استهلاك الطاقة والحد من الضغوط على شبكات الكهرباء والوقود ، ولم يعد هذا التوجه مجرد إرث من جائحة كورونا بل تحول إلى أداة استيراتيجية تستخدمها الحكومات لمواجهة تحديات اقتصادية وبيئية متزايدة.
دول أوروبية تتبع العمل عن بعد
تقليل الاعتماد على العمل المكتبى وفى أوروبا برزت عدة دول فى مقدمة هذا الاتجاه، حيث اتخذت خطوات عملية لتقليل الاعتماد على العمل المكتبى، ففي المانيا تم إدراج العمل عن بعد ضمن خطط ترشيد استهلاك الطاقة مع التركيز على تقليل استخدام المباني الحكومية والتجارية، خاصة فى فترات الذروة فى استهلاك الكهرباء، وتعمل برلين على تشجيع الشركات على تقليل عدد أيام الحضور، بما يسهم فى خفض استهلاك التدفئة والكهرباء داخل المكاتب.
وفى فرنسا، فقد دعت الحكومة الشركات إلى تبنى سياسات عمل مرنة، مع تشجيع الموظفين على العمل من المنزل خلال فترات ارتفاع الطلب على الطاقة، خاصة فى فصل الشتاء، وتأتى هذه الخطوة ضمن حزمة إجراءات أوسع تهدف إلى تقليل استهلاك الطاقة بنسبة ملحوظة فى ظل ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء.
وفي إسبانيا، تم تعزيز نموذج العمل الهجين، حيث تجمع الشركات بين العمل من المكتب والمنزل، ما أدى إلى تقليل التنقل اليومي للموظفين، وبالتالي خفض استهلاك الوقود والانبعاثات. كما دعمت الحكومة هذا التوجه من خلال سياسات تشجع التحول الرقمي وتوسيع البنية التحتية للعمل عن بُعد.
كذلك، اعتمدت إيطاليا ما يُعرف بـلعمل الذكي، وهو نموذج مرن يتيح للموظفين العمل من أي مكان، مع تقليل الاعتماد على المكاتب التقليدية. وقد ساهم هذا النظام في خفض استهلاك الطاقة داخل المؤسسات، خاصة في القطاعات الخدمية والإدارية.وفي دول مثل هولندا وبلجيكا، لم يكن العمل من المنزل جديدًا، لكن تم توسيع نطاقه بشكل أكبر خلال أزمة الطاقة، حيث شجعت الحكومات الموظفين على العمل من المنزل لعدة أيام أسبوعيًا، ما ساهم في تقليل الضغط على وسائل النقل والطاقة في آن واحد.
أمريكا اللاتينية
على الجانب الآخر، تبدو الصورة في أمريكا اللاتينية مختلفة نسبيًا. فبينما تبنت بعض الدول العمل من المنزل، إلا أن الدافع لم يكن دائمًا أزمة الطاقة، بل يرتبط في كثير من الأحيان بعوامل اقتصادية ورقمية. ومع ذلك، بدأت هذه الدول تدرك أهمية هذا النموذج في تقليل استهلاك الموارد.
في البرازيل، اعتمدت العديد من الشركات الكبرى نظام العمل الهجين لتقليل التكاليف التشغيلية، بما في ذلك استهلاك الكهرباء داخل المكاتب. وساهم هذا التحول في تقليل الضغط على البنية التحتية للطاقة، خاصة في المدن الكبرى.
أما المكسيك، فقد أقرت قوانين تنظم العمل عن بُعد، تضمن حقوق الموظفين وتحدد التزامات الشركات، بما في ذلك توفير بيئة عمل مناسبة في المنازل. ورغم أن التطبيق لا يزال محدودًا مقارنة بأوروبا، إلا أنه يمثل خطوة مهمة نحو تقليل استهلاك الطاقة على المدى الطويل.
وفي تشيلي وكولومبيا، يتم التوسع في نماذج العمل المرن كجزء من التحول الرقمي، حيث تسعى الحكومات إلى تحسين الكفاءة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على المكاتب التقليدية، ما ينعكس بشكل غير مباشر على استهلاك الطاقة.
كذلك، تبنت الأرجنتين قوانين للعمل عن بُعد منذ سنوات، ويتم استخدامها حاليًا كأداة لتقليل النفقات، بما في ذلك استهلاك الطاقة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.
ورغم الفوائد الواضحة للعمل من المنزل، إلا أن هذا النموذج لا يخلو من التحديات. فمن ناحية، يؤدي إلى زيادة استهلاك الكهرباء داخل المنازل، كما أنه لا يناسب جميع الوظائف، خاصة تلك التي تتطلب حضورًا فعليًا. إضافة إلى ذلك، تواجه بعض الدول، خصوصًا في أمريكا اللاتينية، تحديات تتعلق بالبنية التحتية الرقمية.
ومع ذلك، تشير الاتجاهات الحالية إلى أن العمل عن بُعد لم يعد مجرد حل مؤقت، بل أصبح جزءًا من استراتيجيات طويلة الأجل لمواجهة الأزمات، سواء كانت اقتصادية أو بيئية. وفي ظل استمرار الضغوط على أسواق الطاقة، من المتوقع أن يستمر هذا التوجه، مع تطوير نماذج أكثر مرونة تجمع بين العمل من المنزل والمكتب.