هذه الجولة من الحرب أحد أخطر فصول الصراع الإقليمى على مدى عقود، ويفترض أن تتم قراءتها بناء على معطيات وليس أمنيات أو تصورات وتحليلات استقطابية على طريقة كرة القدم، ليس فيها مفاجآت لكونها نتاج تفاعلات بدأت فى 7 أكتوبر 2023، وامتدت طوال 29 شهرا، من غزة إلى سوريا ولبنان وحتى داخل إيران، مع وضوح معلومات توفرت لدى الولايات المتحدة وإسرائيل عن ضعف الجبهة الإيرانية وقراءتها والتعامل معها بمفهوم الحرب الحديثة، وبعد إعلان اغتيال المرشد الإيرانى على خامنئى، وعدد كبير من قيادات الصف الأول والثانى، تتضح أهداف الحرب لدى الولايات المتحدة، مع غياب السيناريوهات الإيرانية منذ المفاوضات فى جنيف، حيث اكتفت الأطراف الإيرانية بإطلاق التهديدات من دون قدرة على تنفيذها.
من البداية، تكشف جولات المواجهة بين إسرائيل وإيران عن ثغرات وضعف وتشقق فى بنية النفوذ الإيرانى ووكلائه بعد عقود من المواجهة بالوكالة، نجحت خلالها إسرائيل فى بناء شبكات تجسس تخترق جبهات ظلت شديدة التحصين، وخلال شهور ما بعد حرب غزة، ظهرت هذه الثغرات فى حوادث واختراقات جبهات حزب الله وسوريا، من عملية البيجر التى قتلت بها إسرائيل مئات من عناصر حزب الله عن طريق تفخيخ صفقة بحر مستوردة، وأيضا تنفيذ اغتيالات داخل سوريا لكوادر من حزب الله ومهاجمة القنصلية الإيرانية بدمشق، واغتيال قادة كبار بالحرس الثورى وصولا لتنفيذ اغتيالات مباشرة أخطرها إسماعيل هنية داخل مقر للحرس الثورى بإيران، ثم اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وخلفائه وقيادات الحزب الكبار.
كل هذه الاختراقات كشفت عن ضعف القدرات الاستخبارية الإيرانية، واكتفت قيادات إيران بالتهديد «إن إسرائيل ستندم، والرد سيكون غير متوقع، إيران لم ترد، وبقيت فى إطار التعديد والوعيد حتى الآن، ووسط هشاشة النظام والثغرات، كان توقع انهيارات داخل معسكر إيران واردة من دون أى تنجيم أو تحليلات ساذجة، تزعم أن إيران تحقق انتصارات، بينما هؤلاء يتجاهلون الضعف والشروخ فى المعسكر، وحتى الساعات الأخيرة قبل الحرب، كان لدى طهران فرصة للتفاوض والسعى لمنع الحرب والتوصل إلى اتفاقات تحفظ الدولة، لكن تمسك القادة بالأوهام واستمرار التهديدات الجوفاء صورت لهم أنهم سيردعون أمريكا، وهو ما اتضح وهميته.
هذه الحرب جولة من جولات المواجهة، بدأت بعد 7 أكتوبر، عجزت إيران عن قراءة مفردات وتجارب دول سابقة تمسكت أنظمتها بتصرفات قديمة، بينما عدوها يكشفها ويخترقها، فى حرب معلومات واختراقات لنفوذ كان يتهاوى، بينما يظن من يمسكون الهواء أنه موجود.
عندما أعلنت أمريكا وإسرائيل استهداف المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، على خامنئى، وقيادات الدولة والنظام، أنكرت أو تكتمت إيران لساعات ثم أعلنت أن المرشد وأسرته تقريبا تم قتلهم، ومعهم عدد وافر من القيادات، وقال الرئيس الأمريكى ترامب لـ«سى بى إس نيوز»: «هناك بعض المرشحين الجيدين لقيادة إيران بعد اغتيال خامنئى»، دون أن يذكر المزيد من التفاصيل حول من يقصد.
هنا نحن أمام اختراق كبير للأمن الإيرانى، فى حال تأكيد هذا، ينسف كل التحليلات التى أنكرت أو تبنت أمنيات بالتهديدات الفارغة مع إشارات لوجود اتفاقات ما، وحتى لو كان الأمر ضمن حرب نفسية، فهو يشير إلى أكثر من ثغرات، ويعيد ما تردد بعد اغتيال إسماعيل هنية، وقبله مقتل الرئيس السابق إبراهيم رئيسى، وهى تطورات وتحولات تدور علنا، ويفترض أن تلفت نظر كل من يتجاهل هذا وينخرط فى تحليلات تهويمية، منها تهديدات من الحرس الثورى بالانتقام، بينما نحن أمام حالة صعبة واختراقات تصل إلى العمود الفقرى لبنية الدولة الأم، الذى يجعل هذه الجولة بداية لمرحلة أو نهاية وبداية لمرحلة لن تكون سهلة فى إيران وفى الإقليم.
طهران التى ظهرت متباهية بعد 7 أكتوبر، خرجت من السباق وتخلت عن كثير من وكلائها، ولا تزال تمارس القراءات الخاطئة للوقائع وتوسيع الهجمات الصاروخيّة فى دول إقليمية من دون هدف واضح، وحسب تحليل لـ«جارديان»، أفضل ما يمكن للنظام الإيرانى فعله الآن هو محاولة الصمود أمام موجات الهجمات المتوقعة، ومحاولة الحفاظ على السيطرة على الشوارع، ما دامت الولايات المتحدة وإسرائيل لم تُبديا حتى الآن أى نية لشن غزو برى، وإن كانتا تخططان لحملة قصف قد تستمر لأسابيع، بينما تستنزف إيران مخزونها المقدر بألفى صاروخ باليستى، تمنحها قدرة على الاستمرار لأيام، فى حين تستطيع الولايات المتحدة تنفيذ أكثر من 125 طلعة جوية يوميًا من كل حاملة طائرات تابعة لها، وهو ما يكذب تحليلات انطلقت بأن إيران يمكنها المواجهة، بينما الرئيس الإيرانى نفسه يتحدث عن انتقام، وليس مواجهة، بما قد يشير إلى سيناريوهات أخرى تتضح خلال ساعات، وتمثل بداية ونهاية لجولة صعبة.