الدراما ليست مجرد أداة ترفيه وتسلية وتمضية وقت فائض أمام شاشات التليفزيون لمتابعة حكايات لاعلاقة لها بالواقع. الدراما من المفترض أنها أداة ثقافية للارتقاء بمستوى الوعي الجمعي والمساهمة في تحصين الذاكرة الجمعية من التشوهات والروايات الكاذبة، وسرد الرواية الوطنية الساكنة بين ضفاف الملفات والوثائق التاريخية وباعترافات أصحابها.
مرحلة غاية في الأهمية لصورة الدراما المصرية بدأتها في منذ نهاية الثمانينات تقريبا مع ملحمة " ليالي الحلمية" و" رأفت الهجان" تحديدا وصياغة مفهوم جديد لدور الدراما في التفاعل مع واقع المجتمع اجتماعيا وسياسيا وتوثيق الماضي والحاضر برؤية المؤلف والكاتب واثارة الجدل حول دور الدراما في تناول قضايا سياسية واجتماعية حقيقية شكلت الوعي والذاكرة المجتمعية لفترات طويلة دون طرح الأسئلة حولها ومحاولة فهم ما جرى بصورة أقرب الى الحقيقية أو بصورة حقيقية كاملة.
أستطيع القول بأن أجيال كاملة وقعت في شباك الخديعة والكذب والتلفيق والتشويه والتزوير لجماعات بعينها بغرض توظيف التاريخ لخدمة أغراضها الخفية ونواياها الخبيثة في السيطرة على الوعي وتشكيل الذاكرة من جديد بما يساهم في تنفيذ مخططها الشيطاني في تدمير الدولة من خلال خلق مجتمع بلا هوية يسهل انقياده وخضوعه، رغم المحاولات والجهود المضنية لأدوات الثقافة المسوعة والمكتوبة في مواجهة تلك الجماعات. لكن التأثير الأكبر والمؤثر في معركة الوعي كان للدراما التليفزيونية التي لفتت الانتباه الى حقائق غائبة عن الذاكرة وبفعل فاعل ومتعمد وممنهج أيَضا والعودة الى فتح ملفات مراحل وقضايا تاريخية معينة وأحداث كبرى في مسيرة المجتمع المصري والعودة الى قراءة التاريخ بصورة مغايرة.
في رأيي أنه منذ " ليالي الحلمية" و"رأفت الهجان" وما بعدهما حققت الدراما المصرية اختراقا مهما ونصرا لافتا في معركة الوعي والصراع على الذاكرة الجمعية المصرية مع أعداء الداخل والخارج بل واعتبرها قطاع عريض من المشاهدين مرجع تاريخي للأحداث التي مرت بها مصر في المائة العام الماضية مع ظهور جيل ذهبي من الكتاب أمثال محفوظ عبد الرحمن وأسامة أنور عكاشة ويسري الجندي وصالح مرسي ومحمد جلال عبد القوي وغيرهم كانت لديه أراء ورؤى وقناعات خاصة في تناول السردية الوطنية للمجتمع المصري بأبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية.
في السنوات الأخيرة وفي معركة الوجود والحفاظ على الدولة الوطنية في مصر ضد جماعة الاخوان الارهابية، ارتقى التوثيق الدرامي أو ( الدراما التوثيقية) مرحلة جديدة وهنا برز دور الشركة المتحدة للخدمات الاعلامية في انتاج واحد من الأعمال الدرامية التوثيقية الكبرى وهو مسلسل ( الاختيار) بأجزائه الثلاثة منذ عام 2020 وهو العمل الذ مزج بين العمل الفني والتوثيق الحقيقي للأحداث من خلال المشاهد التسجيلية لاضفاء مزيدا من المصداقية والدقة للعمل الفني . وحقق المسلسل نسبة مشاهدة غير مسبوقة وحقق الهدف في كشف أكاذيب ومخططات تلك الجماعة الارهابية ومن وراءها وخاصة أن عدد كبير من النجوم الكبار من الفنانين والفنانات شاركن في العمل. ولا ننسى أيضا مسلسل " الحشاشين" الذي انتجته " المتحدة" وتم عرضه في رمضان قبل الماضي.
استكمالا لمعركة الدراما الوثائقية ضد تزييف الوعي وفضح المؤامرة الارهابية جاء في رمضان الجاري من خلال مسلسل " رأس الأفعى" والمستوحى من وقائع حقيقية اعتمادا على ملفات وتحقيقات أجهزة الأمن المصرية مع أفراد تنظيم جماعة الاخوان والتي قامت بعدة عمليات ارهابية في محاولة يائسة للعودة الى السلطة من خلال ارباك الدولة ونشر الفوضى ومنها اغتيال النائب العام الشهيد المستشار هشام بركات وصولا الى البض الى رأس الأفعى المدبر لكل هذه العمليات وهو القيادي الاخواني محمود عزت القائم بأعمال المرشد العام للجماعة عقب القبض على محمد بديع وباقي قيادات الاخوان وهروب الباقي الى الخارج.
المسلسل يتناول سلسلة من المطاردات والأحداث المشوقة التي تٌبرز دور ضباط الأمن الوطني في تعقب عناصر جماعة الإخوان بهدف كشف مخططاتهم، ويحسب للمسلسل مؤلفه هاني سرحان ومخرجه أحمد بكير وأبطاله الكبار النجوم شريف منير وأ مير كرارة وأحمد غزي وكارولين عزمي وماجدة زكي ومحمود البزاوي وباقي النجوم تناول الأحداث بالأسماء الحقيقية وبالوقائع الموثقة في الملفات والاعترافات وخاصة لقيادات وأفراد جماعة الاخوان وخاصة في الحلقة الخاصة بالقبض على رأس الأفعى محمود عزت واعترافاته في التحقيقات معه التي كشفت عن الدور الذي قام به عزت الداهية والعقلية المخططة والمدبرة لاعتصام رابعة وعملية اغتيال النائب العام وباقي العمليات الارهابية منذ 2013 وحتى لحظة القبض عليه في أغسطس عام 2020مختبئا في شقة بمنطقة التجمع الخامس.
"رأس الأفعى" وثق بدقة لحياة هذا الأفعى الماكر العجوز من خلال المزج المدهش بين ماضي الجماعة وبداية انضمام محمود عزت لها وبين الأحداث التي جرت خلال سبع سنوات من تولي عزت قيادة الجماعة وقيادته وادارته للعمليات الارهابية.
مسلسلات مثل الاختيار والحشاشين ورأس الافعى لها الدور الحيوي والقوي في تحصين وحماية الذاكرة الوطنية وخاصة للأجيال الجديدة التي لم تعايش الأحداث وتدفعهم الى الفهم الصحيح والحقيقي وتحفزهم على العودة الى القراءة للتاريخ من جديد وبعقل أكثر نضجا.
الدراما الوثائقية أصبح عليها مسئولية كبيرة في الكشف عن الحقائق ونشر الوعي وصيانته وحماية الذاكرة الوطنية وتحصينها وبالتالي الحفاظ على الهوية المصرية والدولة الوطنية .. فالمعركة مازالت مستمرة