في السنوات الأخيرة تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه عيادة مفتوحة يقدم فيها البعض نصائح طبية وغذائية لملايين المتابعين، دون أن يمتلكوا في كثير من الأحيان أي خلفية علمية أو تأهيل مهني يسمح لهم بذلك. فبضغطة زر يمكن لأي شخص أن يقدم نفسه خبيرًا في التغذية أو الصحة العامة، ويبدأ في تقديم وصفات علاجية ونصائح طبية قد تكون في كثير من الأحيان بعيدة تمامًا عن العلم.
المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في انتشار هذه الظاهرة، بل في تأثيرها المباشر على صحة الناس. فالكثير من المستخدمين يثقون في ما يُقال على السوشيال ميديا، خصوصًا عندما يتم تقديمه بأسلوب جذاب أو مدعوم بتجارب شخصية وقصص نجاح. لكن الطب ليس تجربة شخصية، ولا يُبنى على الانطباعات، بل على دراسات علمية وأبحاث سريرية ومعايير دقيقة تحكم كل معلومة تُقال.
وخلال الفترة الأخيرة انتشرت بشكل لافت حسابات تقدم نصائح عن التخسيس والأنظمة الغذائية أو علاج الأمراض المزمنة بطرق “سحرية”، مثل إنقاص الوزن في أيام قليلة، أو علاج السكر والضغط من خلال وصفات منزلية، أو الترويج لمكملات غذائية باعتبارها الحل النهائي لكل المشكلات الصحية. هذه الرسائل قد تبدو بسيطة أو حتى مغرية، لكنها في الحقيقة قد تقود إلى نتائج خطيرة، لأن بعض المرضى قد يتوقفون عن علاجهم أو يغيرون نمط علاجهم بناءً على نصيحة غير متخصصة.
الأخطر أن بعض صانعي المحتوى الصحي لا يعتمدون على مصادر علمية موثوقة، بل يستندون إلى معلومات من مواقع غير متخصصة أو مقاطع فيديو أجنبية يتم ترجمتها بشكل عشوائي، ثم يتم تقديمها للجمهور وكأنها حقائق علمية مؤكدة. وهنا يتحول المحتوى الصحي من وسيلة للتوعية إلى مصدر لنشر المعلومات المغلوطة.
ولا يعني ذلك أن منصات التواصل الاجتماعي ليست أداة مهمة لنشر الوعي الصحي. على العكس، فقد أثبتت هذه المنصات قدرتها على الوصول إلى ملايين الأشخاص بسرعة كبيرة، ويمكن أن تكون وسيلة فعالة لنشر الثقافة الطبية الصحيحة عندما يقدم المحتوى متخصصون وأطباء مؤهلون. لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط المعرفة العلمية بالاجتهادات الشخصية.
لذلك أصبح من الضروري التفكير في آليات أكثر وضوحًا لتنظيم المحتوى الصحي على المنصات الرقمية. فالصحة ليست مجالًا للتجارب أو “التريند”، بل قضية تمس حياة الناس وسلامتهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى دور أكبر للجهات التنظيمية في مراقبة المحتوى الطبي، إلى جانب دور المؤسسات الصحية في تقديم معلومات مبسطة وموثوقة للجمهور.
وفي النهاية، يجب أن يدرك الجميع أن النصيحة الطبية ليست رأيًا شخصيًا، بل مسؤولية علمية وأخلاقية. وبينما يمكن لأي شخص أن يشارك تجربته، فإن تشخيص الأمراض أو تقديم العلاج يجب أن يظل حكرًا على المتخصصين. فالصحة ليست مجالًا لجمع المشاهدات، بل أمانة تتعلق بحياة البشر