دندراوى الهوارى

التجارة السوداء.. عندما تتحول معارض السيارات إلى ماكينات لشفط جيوب الناس!

الثلاثاء، 17 مارس 2026 12:00 م


مع كل أزمة اقتصادية ناجمة عن حروب إقليمية، أو أزمات دولية، أول من يتقدم الصفوف فى مصر لاستغلال وتوظيف هذه الأزمة لمصلحته بهدف التربح، هم أصحاب توكيلات السيارات والموزعون؛ فمع أول شارة للحرب، وقبل أن تتضح الصورة، أسعار السيارات تقفز فجأة، والمعروض يختفى أو يتقلص، والتجار يرفعون لافتات معدة وجاهزة للتبرير مدون عليها: الأزمة العالمية!

وربما يسأل سائل: هل ما يحدث فى سوق السيارات ومبادرته السريعة للتعاطى مع الأزمات الاقتصادية، انعكاس حقيقى لهذه الأزمات أم أن الوكلاء والموزعين والتجار يعتبرون الأزمات فرصة ذهبية لتنفيض جيوب المواطنين؟

الحقيقة أن القصة ليست جديدة ولكنها معادة بنفس فصولها وأدواتها، للدرجة أن الوكلاء ومن خلفهم الموزعين، يعتبرون رأس حربة خلق أزمة رفع الأسعار، يسير خلفهم تجار بعض السلع!

وخلال الأيام القليلة الماضية، ومع الضربة الأمريكية والإسرائيلية لإيران، تعاطى سوق السيارات بسرعة تتجاوز سرعة الصواريخ المستخدمة فى هذه المعركة، طالت جميع الطرازات ووصلت الزيادة كـ«أوفر برايس» إلى 300 ألف جنيه، فى توظيف أسود للحرب، وقبل أن تلوح الأزمة فى الأفق.

الأمر لم يتوقف على زيادة الأسعار والاستثمار السيئ للحرب المشتعلة فى الخليج، فى محاولة للتربح والتنصل من كل عروض التخفيضات والمزايا من صيانات مجانية لمدة 8 سنوات، وإنما هناك خطة لرفع أسعار السيارات بنسبة 15 % خلال الأيام القليلة المقبلة؛ والمثير للدهشة هنا، ليس مجرد الزيادة وإنما توقيتها وسرعتها المفرطة، وتوظيف الأزمة لمصلحتهم!

السؤال المؤلم، والذى يدور على ألسنة الناس، كيف ترتفع الأسعار بهذه السرعة الفائقة فى سوق السيارات قبل أن ترتفع التكاليف الفعلية، وقبل أن تصل السيارات الجديدة، وهل زاد تكلفة شحنها، أو زيادة سعرها فى بلد المنشأ من عدمه؟

الحقيقة أن ما يحدث فى سوق السيارات، هو تضخم جشع، وشره، ولا يمكن قبول شعار أصحاب التوكيلات والموزعين، الذين يرفعونه فى الأزمات وهو: «عندما تتحول الأزمة إلى فرصة فانتهزها»!

هناك دراسات اقتصادية رصدت أرباح الوكلاء وتجار السيارات فى الأزمات، بداية من أزمة جائحة كورونا، ومرورا بأزمة الحرب الروسية الأوكرانية ثم الحرب الإسرائيلية على غزة، وكشفت أنهم حققوا أرباحا كبيرة، ساهمت بنسبة أكبر فى تضخم أسعار السيارات، وأن هذه الزيادات كانت عبثية، وليست ناجمة عن التكلفة وحدها، واستغلال سيئ من الوكلاء للأزمات، بهدف التربح! 

يمكن تفهم ارتفاع الأسعار إبان أزمة كورونا، كون أن المصانع أُغلقت بسبب النقص الشديد فى الرقائق الإلكترونية والسيارة الواحدة تحتاج ما بين 1400 إلى 3000 شريحة إلكترونية، وبالتالى فإن إغلاق المصانع أدى إلى توقف الإنتاج خاصة فى مصانع الصين؛ بينما لا يمكن تفهم زيادة الأسعار المبالغ فيها فى أزمات الحروب، خاصة أن المصانع فاتحة أبوابها وتعمل بكامل طاقتها، وربما الزيادة تنتج عن زيادة رسوم الشحن فقط، لكن ليس بالشكل الذى يصوره توكيلات وموزعو السيارات فى مصر!

الأزمات الإقليمية والدولية المختلفة وطوال الخمس سنوات الماضية، وظفها أصحاب توكيلات السيارات والموزعون والتجار، أسوأ توظيف للتربح، وجعلوا من السوق سوقا سوداء مقنعة، لا تظهر بالضرورة فى الشوارع الخلفية والجانبية والأزقة والحارات، أو الورش الصغيرة، وإنما تظهر بوضوح داخل المعارض الفاخرة المكيفة والمقامة فى المناطق الراقية؛ وأن هذا الاستغلال يتخذ أشكالا مختلفة مثل الأوفر برايس المضاف على السعر الرسمى المعلن، وفرض تجهيزات إضافية غير ضرورية وتقليل المعروض لخلق حالة ندرة مصطنعة، وحجز السيارات وبيعها لاحقا بأعلى سعر!

ولنعترف أن هناك إجماعا من كل الخبراء فى الداخل والخارج، بأن سوق السيارات فى مصر يختلف بالكلية عن كثير من الأسواق الأخرى، لا تحكمه ضوابط حقيقية، وتسوده ممارسات شبه احتكارية، ويتحكم فيه عدد قليل من اللاعبين، يعرفون كيف يتربحون من توظيف الأزمات، وبعيدا عن أعين الرقابة، ومن ثم فإن المواطن هو الذى يتحمل الزيادات المبالغ فيها، والأوفر برايس غير المنطقى، وهنا يصبح الفارق بين التجارة المشروعة والتجارة السوداء، ليس فى اللافتة المعلقة على أبواب المعارض، وإنما فى الضمائر الحية خلف مكاتب البيع داخل المعارض.  

الحقيقة أن الحكومة المصرية، بادرت وبسرعة، بالتحذير من استغلال التجار لأزمة الحرب الإيرانية، لرفع الأسعار دون مبرر، وإحالة المخالفين للقضاء العسكرى!

لكن نريد سوقا شفافا واضحا، يلفظ الألغاز، ويتخلص من الأوفر برايس، ولا يستثمر فى الأزمات، ولتحقيق ذلك مطلوب وقفة حاسمة وسريعة، وأن الجهات الرقابية المعنية، عليها أن تضطلع بأدوار قوية لضبط السوق.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة