في ردهات محاكم الأسرة المكتظة بالحكايات، لم تعد الخلافات المالية أو غياب المودة هي الأسباب الوحيدة التي تقف خلف دعاوى الخلع، بل ظهر منافس جديد، ناعم الملمس لكنه حاد التأثير، وهو "كرة القدم".
لقد تحولت تلك اللعبة من مجرد وسيلة للترفيه إلى "إدمان" يستنزف عقل الزوج ووقته، بل ومشاعره تجاه أسرته، ليتحول البيت في بعض الأحيان إلى ساحة معركة، طرفاها زوج يرى في المباراة شئ أساسى، وزوجة تجد نفسها مهملة على دكة الاحتياط في حياتها الخاصة، حتى يطفح الكيل ويصبح الخلع هو صافرة النهاية لعلاقة لم يعد فيها مكان للشراكة الإنسانية.
حكايات سيدات تعاني من إهمال الأزواج
تحت قبة محكمة الأسرة بمدينة نصر، وقفت "س. م" ثلاثينية العمر، تطلب الخلع من زوجها المهندس، والسبب لم يكن خيانة أو بخلاً، بل كان "الريموت كنترول".
تروي مأساتها بمرارة قائلة: "تزوجته وأنا أعلم أنه يشجع أحد الأندية الكبرى، لكنني لم أتخيل أن حياتي ستتوقف عند نتائج المباريات. إذا خسر فريقه، يتحول البيت إلى مأتم، يمنع الكلام والطعام، ويصب غضبه عليّ وعلى الأطفال، وإذا فاز، يخرج للاحتفال مع أصدقائه ويتركنا وحدنا.
لقد شعرت أنني أتزوج من مشجع وليس من إنسان، فهو يعرف مواعيد مباريات الدوري الإنجليزي والإسباني والمحلي، ولا يعرف في أي صف دراسي ابنه الوحيد".
هذه الصرخة لم تكن الوحيدة، بل تعكس واقعاً أليماً لزوجات أصبحن يلقبن أنفسهن بـ "أرامل المباريات"، اللاتي يعشن مع أزواج حاضرين بأجسادهم، وغائبين بعقولهم خلف الشاشات.
وفي قصة أخرى لا تقل إثارة، لجأت "ريهام" إلى خلع زوجها بعد خمس سنوات من الزواج، والسبب هو "ميزانية الاستاد".
تقول ريهام: "لم يقتصر الأمر على المشاهدة خلف الشاشات، بل كان ينفق جزءاً كبيراً من دخله المتواضع على تذاكر المباريات والسفر خلف الفريق، وفي إحدى المرات، حين مرض ابنه واحتاج إلى دواء عاجل، اكتشفت أنه أنفق ميزانية العلاج على شراء قميص أصلي لناديه المفضل.
في تلك اللحظة أدركت أن كرتهم أهم من دمنا، فقررت الانسحاب فوراً".
هذه النماذج تؤكد أن الهوس الكروي تجاوز حدود الهواية، ليدخل في دائرة المرض النفسي الذي يدمر الروابط الأسرية، ويجعل الزوجة تشعر بأنها في منافسة غير عادلة مع "جماد" مستدير يسرق منها شريك حياتها.
أسباب المشاكل الزوجية بسبب المباريات
التحليل النفسي لهذه الوقائع يشير إلى أن بعض الرجال يهربون من واقعهم وضغوطهم اليومية عبر التوحد مع الانتصارات الرياضية، لكن حين يتحول هذا الهروب إلى "إدمان"، يفقد الرجل بوصلة التوازن بين واجباته وهواياته.
روشتة لتفادي هذه الأزمات
ومن هنا، يضع خبراء روشتة مهنية لترميم هذه الصدوع قبل أن تصل إلى منصات القضاء.
أولاً، يجب على الزوج أن يدرك أن الأسرة هي "فريقه الأول" الذي يحتاج إلى تشجيعه ودعمه المستمر، وأن تخصيص وقت محدد للهواية لا يجب أن يطغى على وقت الأسرة المقدس.
ثانياً، على الزوجة أن تحاول مشاركة زوجها اهتماماته بذكاء، ولكن دون ذوبان كامل، مع وضع قواعد واضحة للاحترام المتبادل في أوقات الهزيمة أو النصر الرياضي.
ثالثاً، ضرورة وجود "اتفاق مسبق" بين الطرفين حول مواعيد المشاهدة، بحيث لا تتعارض مع المناسبات الأسرية الهامة أو الالتزامات الدراسية للأبناء.
رابعاً، يجب على الزوج البحث عن بدائل ترفيهية مشتركة مع زوجته، لكسر الروتين الذي قد يدفعه للارتباط المرضي بالشاشة.
خامساً، إذا وصل الأمر إلى حد العنف اللفظي أو الجسدي عند خسارة الفريق، أو إهمال الحاجات الأساسية للمنزل من أجل الاشتراك في القنوات الرياضية، فهنا يجب التدخل من قبل الأهل أو المختصين النفسيين فوراً، لأننا بصدد اضطراب سلوكي يحتاج إلى علاج وليس مجرد نصيحة.