حرب جديدة.. واختبار قديم لمسلمي أمريكا
مع دخول الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني، لا تشتعل الجبهات في الشرق الأوسط وحده، بل تمتد ارتداداتها إلى المدن الأمريكية نفسها، حيث يعيش ملايين المسلمين — وبينهم جالية إيرانية كبيرة — حالةً مركّبة من الخوف والغضب والانقسام. فالحرب تأتي هذه المرة في ظل صعود غير مسبوق لليمين الشعبوي المتطرّف، وتمدّدٍ واسع لخطاب القومية المسيحية البيضاء داخل الحزب الجمهوري ومؤسسات الحكم في عهد دونالد ترامب الثاني.
بالنسبة لمسلمي أمريكا، ليست هذه مجرد حرب خارجية، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من شيطنة الإسلام، وتغذية خطاب الكراهية، والضغط على الحريات المدنية، تتخذ هذه المرة من إيران مسرحاً، ومن مسلمي الداخل هدفاً غير معلن.
بيانات غاضبة واحتجاجات متفرقة: كيف استقبل مسلمو أمريكا الضربات على إيران؟
منذ الساعات الأولى لإعلان ترامب بدء العمليات العسكرية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران في 28 فبراير، سارعت المنظمات الإسلامية الكبرى في الولايات المتحدة إلى إصدار بيانات تنديد ورفض. فقد وصف مجلس العلاقات الأمريكية–الإسلامية (CAIR)، وهو أكبر منظمة حقوق مدنية للمسلمين في البلاد، الضربات بأنها «حرب غير ضرورية، وغير مبرّرة، وغير دستورية، تُشنّ لمصلحة إسرائيل» ودعا الأمريكيين إلى الاتصال بالبيت الأبيض وأعضاء الكونغرس للمطالبة بوقف التصعيد فوراً.
في الوقت نفسه، عبّرت منظمات إيرانية–أمريكية — مثل المجلس الوطني الإيراني–الأمريكي (NIAC) — عن «صدمتِها» من اللجوء إلى القصف بينما كانت قنوات دبلوماسية لا تزال مفتوحة، مؤكدةً أنه لم تُقدَّم أي أدلة مقنعة على «خطر وشيك» يبرّر هذا النوع من العمليات. رئيس المجلس جمال عبدي قال إن واشنطن «قامت بقصف طهران في وضح النهار دون مسوّغ حقيقي»، محذراً من أن الضربات ستُضعف أصوات الإصلاح داخل إيران وتغذّي خطاب التشدد على الجانبين.
على الأرض، شهدت مدن مثل هيوستن ولوس أنجلِس وديترويت تجمعات احتجاجية نظّمها نشطاء مسلمون وإيرانيون–أمريكيون رفعوا شعارات ترفض الحرب وتنتقد «تحويل الأجساد الإيرانية إلى أوراق انتخابية في واشنطن»، في إشارة إلى استغلال ترامب للصراع في مزاد السياسة الداخلية.
انقسام داخل الجالية الإيرانية–الأمريكية.. ومسلمو أمريكا يرفضون «عقاب الشعوب»
داخل الجالية الإيرانية–الأمريكية نفسها، بدت الانقسامات جلية. فهناك من يرى في الضربات فرصة لإضعاف نظامٍ يعتبرونه «قمعياً وفاسداً»، بينما يرى آخرون أن أي تدخل عسكري خارجي لا يحمل لشعبهم إلا مزيداً من الدمار والعقوبات والتهجير. هذه الثنائية تعكس معضلة أخلاقية عميقة عاشتها جاليات أخرى من قبل، مثل العراقيين والسوريين: كيف تعارض نظاماً استبدادياً دون أن تصفق لصواريخ أجنبية تهبط على رأس أهلك؟
أما المنظمات الإسلامية الأوسع نطاقاً — مثل CAIR وشبكات المساجد الكبرى — فتميل بوضوح إلى رفض منطق «عقاب الشعوب» باسم تغيير الأنظمة، وتذكّر بمرارة التجربة العراقية بعد 2003، حيث كانت النتيجة تدمير دولة كاملة وفتح الباب أمام الفوضى والميليشيات والطائفية. لهذا تركز بياناتها وخطب أئمتها على الربط بين الحرب الراهنة وسلسلة «الحروب اللانهائية» التي شُنّت باسم «نشر الديمقراطية» أو «حماية المدنيين» بينما كانت على الأرض تنتج المزيد من الدماء والتطرف.
ما بعد 11 سبتمبر إلى ما بعد إيران: ذاكرة جرح مفتوح
لا يتعامل مسلمو أمريكا مع حرب إيران كحدث معزول، بل كحلقة جديدة في مسار ممتد من الشك والريبة بدأ بعد هجمات 11 سبتمبر. فمنذ ذلك الوقت، وُضع الإسلام والمسلمون تحت مجهر أمني دائم، من قوائم المراقبة في المطارات إلى برامج التجسس على المساجد والجمعيات الخيرية. ومع كل حرب جديدة في الشرق الأوسط, كان منسوب الشك يرتفع ومستوى الأمنيات يتدنى للمسلمين الأميركيين.
اليوم، ومع الحرب على إيران، يعود هذا الشعور بالهشاشة. فالتغطية الإعلامية السائدة، المرتكزة إلى خطاب الإدارة، تصوّر إيران باعتبارها «مركز الشر الشيعي» في المنطقة، ما يهدد بزيادة الخلط بين «الإيراني» و«المسلم» و«العدو» في المخيال الشعبي الأمريكي، خصوصاً لدى قواعد اليمين الشعبوي التي تتغذّى من نظريات «الصدام الحضاري» و«حماية الحضارة المسيحية».
مسلمو أمريكا الذين عانوا من الإسلاموفوبيا لعقود، يدركون أن كل تصعيد عسكري في الشرق الأوسط يرافقه عادة تصعيد موازٍ في الاعتداءات اللفظية والجسدية على المساجد والمحجبات والطلاب المسلمين، وهو ما بدأت بعض المراكز الحقوقية ترصده بالفعل مع الأيام الأولى للحرب.
صعود اليمين الشعبوي: جمهورية جديدة بنَفَس مسيحي قومي
لتفسير القلق العميق لدى مسلمي أمريكا اليوم، لا يكفي النظر إلى الحرب ذاتها، بل يجب التوقف عند السياق السياسي الذي تجري فيه: صعود اليمين الشعبوي المتطرف وهيمنة خطاب القومية المسيحية على الحزب الجمهوري ودوائر القرار. فوفق دراسة واسعة شملت 50 ولاية أمريكية، وجد معهد PRRI أن 56% من الجمهوريين يُعدّون من أنصار «القومية المسيحية»، أي التيار الذي يرى أن أمريكا يجب أن تُحكَم وفق «القيم المسيحية التقليدية» وأنها «أمة اختارها الله» ذات رسالة خاصة في العالم.
هذه الفئة — التي تتقاطع بقوة مع قاعدة ترامب الانتخابية — تُبدي مواقف متشددة تجاه المهاجرين والأقليات، حيث يرى 67% منهم أن «المهاجرين يغزون البلاد ويهددون الثقافة الأمريكية»، ويؤيد 61% ترحيل المهاجرين غير النظاميين حتى إلى «سجون أجنبية» من دون ضمانات قانونية. أما بالنسبة لترامب نفسه، فـ 73% من أنصار القومية المسيحية يعتبرونه «قائداً قوياً يستحق سلطات واسعة» حتى لو تجاوز التقاليد السياسية القائمة.
في هذا المناخ، تصبح الحروب الخارجية — وخاصة في العالم الإسلامي — جزءاً من خطاب «الدفاع عن الحضارة» و«استعادة العظمة الأمريكية»، وتُقدَّم للجمهور بوصفها معارك بين الخير والشر، لا نزاعات سياسية يمكن التفاوض بشأنها. وهو ما ينعكس مباشرةً على طريقة تعامل المؤسسات والأجهزة مع المسلمين في الداخل باعتبارهم «جالية مشكوكاً في ولائها» تحتاج إلى مراقبة وتدجين
تحالف غير طبيعي: ترامب واليمين المسيحي والتكنوقراط الجدد
يرى باحثون أن ما يميز المرحلة الراهنة ليس فقط وجود يمين شعبوي، بل تحوّل هذا اليمين إلى جزء من تحالف أعقد يضم القوميين المسيحيين والمحافظين الشعبويين مع «اليمين التقني» المرتبط بكبرى شركات التكنولوجيا والإعلام. دراسة صادرة عن معهد مونتين الفرنسي في أكتوبر 2025 وصفت هذا التحالف بأنه «تحالف غير طبيعي» بين قوميين دينيين يريدون دولة أكثر محافظة، ونخب تقنية تسعى إلى تقليص دور الدولة لصالح الأسواق والتقنيات الجديدة، لكن الطرفين يتفقان على أجندة مشتركة عنوانها «تدمير النُّخب التقليدية والمؤسسات الليبرالية».
هذا التحالف يجد في ترامب شخصية مثالية؛ فهو — كما تقول الدراسة — «خالٍ تقريباً من أي إطار فكري ثابت، ما يسمح لكل جناح بأن يُسقط عليه رغباته الخاصة»، فيراه اليمين المسيحي قائداً مسيحياً يواجه «قوى الشر»، بينما تراه نخب التكنولوجيا «شريكاً مستعداً لتفكيك الدولة العميقة وفتح المجال أمام مشاريعها».
بالنسبة لمسلمي أمريكا، يعني ذلك أن خصومهم ليسوا فقط سياسيين تقليديين يمكن الضغط عليهم عبر الانتخابات، بل منظومة فكرية–اقتصادية–إعلامية متشابكة ترى فيهم — وفي إيران، وفي العالم الإسلامي عموماً — «الآخر الحضاري» الذي يجب احتواؤه أو تحجيمه.
حرب تُقدَّم كمعركة حضارية.. ومسلمو أمريكا بين مطرقة النظام وسندان الرأي العام
الإدارة الحالية تسوّق حربها على إيران بخطاب يتجاوز لغة «الأسلحة النووية» و«حماية الحلفاء» إلى اللغة الحضارية–الدينية. فمنذ بداية التوترات الجديدة مع طهران مطلع العام، كرّر ترامب أن أمريكا «ستأتي لإنقاذ المحتجين الإيرانيين إذا قُتلوا بيد النظام»، وكتب على منصّته أن الإيرانيين «باتوا على وشك إسقاط نظامهم»، ملوّحاً بأن «المساعدة في الطريق».
لكن مسلمي أمريكا يدركون أن هذا الخطاب المبطّن برعاية «حقوق الإنسان» يمكن أن ينقلب ضدهم في لحظة، وأن نفس الإدارة التي تتحدث عن «إنقاذ الإيرانيين» هي التي مضت قدماً في حظر سفر مواطني دول مسلمة، وفي دعم سياسات تمييزية داخلية تمسّ الجالية المسلمة مباشرة. لذلك تتعامل المنظمات الإسلامية بحذر مع ملف الاحتجاجات داخل إيران، فتدين القمع والانتهاكات، لكنها في الوقت نفسه ترفض إعطاء شيك على بياض لأي تدخل عسكري أمريكي تحت شعار «حماية المدنيين».
بهذا المعنى، يجد المسلم الأمريكي نفسه بين مطرقة نظام إيراني لا يثق به، وسندان إدارة أمريكية يَعرف تجاربها السابقة في العراق وأفغانستان وسوريا، وبينهما رأي عام يتجه أكثر فأكثر نحو اليمين الشعبوي الذي يرى في كل «آخر» تهديداً ينبغي تحييده.
خطاب الدفاع عن النفس: كيف يحاول مسلمو أمريكا إعادة تعريف المواطنة؟
في مواجهة هذا السياق الضاغط، تبذل المنظمات والجمعيات والمساجد جهداً مضاعفاً لإعادة تعريف صورة المسلم الأميركي في الوعي العام. فخطابهم اليوم لا يقتصر على رفض الحرب، بل يتجاوز ذلك إلى التأكيد على:
- أن معارضة الحرب على إيران لا تعني تأييد النظام الإيراني، بل رفض منطق الحروب الاستباقية الذي أثبت فشله أخلاقياً واستراتيجياً.
- أن المسلمين الأميركيين مواطنون متجذرون في المجتمع، يدفعون الضرائب ويشاركون في الحياة السياسية، ولا يجوز النظر إليهم كامتداد «خامس» لأي قوة خارجية.
- أن الأمن الحقيقي للولايات المتحدة لا يتحقق بقصف عواصم الشرق الأوسط، بل ببناء علاقات متوازنة قائمة على احترام السيادة والقانون الدولي، وبمكافحة الأسباب العميقة للتطرف على الجانبين.
في خطب الجمعة وورشات العمل داخل المساجد، يجري التركيز على تشجيع الشباب على الانخراط في العمل السياسي المحلي والوطني، من حضور جلسات المجالس البلدية إلى التواصل مع أعضاء الكونغرس والاشتراك في الحملات الانتخابية، بما يجعل صوتهم مسموعاً حين تُتخذ قرارات الحرب والسلام.
خاتمة: بين القاهرة وواشنطن.. معركة سرديات
من القاهرة، تتابع النخب السياسية والدينية المصرية ما يجري في واشنطن وتهران بعينٍ قلقة. فالحرب على إيران ليست فقط تهديداً لأمن الخليج والملاحة وموارد الطاقة، بل هي أيضاً جزء من معركة أوسع على «سردية» الإسلام والمسلمين في الغرب. في هذه المعركة، يقف مسلمو أمريكا في الخطوط الأمامية، يحاولون الدفاع عن دينهم ومواطنتهم في آن واحد، في وجه يمين شعبوي يزداد تغوّلاً، وتحالفات فكرية–اقتصادية ترى في الشرق الأوسط مجرد ساحة لاختبار رؤى «الحضارة المنتصرة».
إنّ استيعاب تفاصيل هذه الصورة، بالنسبة لصانع القرار والمثقف المصري، ليس ترفاً نظرياً، بل ضرورة لفهم كيف تُصاغ السياسات في واشنطن، وكيف يمكن لمسلمي أمريكا أنفسهم أن يكونوا — إذا جرى التواصل معهم بذكاء — جسراً مهمّاً لكبح جماح المغامرات العسكرية المقبلة، والدفاع عن رؤية أكثر توازناً لعلاقة الغرب بالعالم الإسلامي.