ترياق مضاد لخطاب الكراهية
يعج العالم ـ ومنطقتنا بالأخص كما في العراق وسوريا والسودان ـ بالنزاعات العرقية والدينية التي تنتج صراعات رافضة للتمييز/ التهميش السياسى والاجتماعى، ومنشأها يعود ـ في الغالب ـ لأسباب تاريخية أو ثقافية، كما تنشأ أيضا للتنافس على الموارد، الأمر الذى يسبب توترا اجتماعيا قد ينجرف إلى مواجهات مسلحة كما حدث في البلقان (1912 – 1913)، ورواندا (1991 ـ 1993)، ورغم أن مصر تنجو من هذه الإشكاليات ذات الطبيعة المهددة للسلام الاجتماعى، إلا أنه لا يوجد مجتمع يخلو من الأزمات، هنا يأتي دور التغطية الصحفية والإعلامية المسئولة التي يحاول مايكل فارس الوصول إليها عبر جهد بحثى ترجمه في كتاب من 8 فصول.
بدأ الكتاب ـ تحت عنوان إعلام الكراهية.. آليات تغطية نزاعات الهوية ـ بتعريف الهوية، ثم الفصل المفاهيمى بين النزاع ومصدره فى محاولة علمية لإنشاء خريطة إدراكية متكاملة لتغطية نزاعات الهوية، معززا جهده بعلوم الفلسفة والمنطق، ومنشئا أدوات تغطية قابلة للتطبيق والقياس في هذه النزاعات، دون أن ينعزل عن الواقع بأمثلة افتراضية، بل استقدم شواهده من واقع الممارسة الصحفية ذاتها، فاستعرض عددا من أخطاء التغطية في بعض الأزمات، ما كشف عن ارتباك كبير في تناول مثل هذه الأحداث الحساسة، وهو ارتباك ناتج عن فقد الرؤية والمنهج السليم الذى يبنى سلوكا مسئولا فى التعاطى مع هذا اللون من العمل الإعلامى، لنحصل فى النهاية على صورة مشوهة تساعد على تأجيج الفتنة لا وأدها، ومن ثمّ فالكتاب هو ترياق مضاد لخطاب الكراهية، يأتي بآلية عمل اعتمدت على رصد الخطاب الإعلامى غير المسئول الذى يغذى النفور ويعمق المشاكل، سواء بالانحياز تارة، أو التصدى السطحى تارة أخرى، ثم وصف العلاج.
إخراج مريح وغلاف ناجح
يقع الكتاب في 221 صفحة من القطع المتوسط بإخراج مريح للعين، فبنط الخط كبير، والمسافات بين سطور الفقرة وبين الفقرات مقبولة، وبالتالى حمل الصفحة من المادة خفيف، حيث لم يتعدَ فقرتين أو ثلاث، ما يترك مساحات من الفرغ في الأجناب وبين النص، ويأتى الغلاف الهندسى الملون بالأحمر والأزرق والمعتمد على صورة لوحة مفاتيح زرقاء يتصدرها زر أحمر عليه علامة المنع المرورية المكون من دائرة حمراء ووتر يقطعها في إشارة لحاجتنا إلى كبح جماح الخطاب العشوائى غير المسئول الذى يشيع في لغة الإعلام والذى يؤجج الفتنة والعزلة ويتسبب في النفور بين أبناء الوطن الواحد، ومن ثمّ كان الغلاف ناجحا؛ فقد شف ـ ببساطة وعمق ـ عن رسالة الباحث.
التركيز على المسببات وليس الأعراض
رصد الكتاب الطريقة التي يتعامل بها الإعلام مع الأزمات ذات الطبيعة الطائفية أو الثقافية التي لا تنحصر في عنصرى الأمة المصرية: مسلمين ومسيحيين، بل تناولت أيضا الأزمات داخل هاتين الطائفيتين، وأزمات أخرى لا تتعلق بهما، فأشارت إلى التنمر ولغة التعالى في الإعلام، واستخدام ألفاظ ومفردات كاشفة لهوية من يستخدمها أو بالمعنى الأدق "منحازة"، كما تطرق إلى الفروق الفكرية بين أفراد المجتمع وما يمكن أن تتسبب فيه من أزمات، مثل العلاقة بين ملابس الإناث وقضية التحرش، وغيرها من الإشكاليات التى ينقسم حولها الرأي العام.
لكن الكتاب لا يكتفى بالرصد والتعرية لواقع غير مثالى، وإنما يمتد إلى ما هو أهم، وهو وضع معايير على أساسها تهتدى وسائل الإعلام فى عملها بمناطق وأوقات الأزمات، فغرض الكتاب يتمثل فى التقعيد لإجراءات مسئولة تتخذ كمرجع، ويتم العودة إليها أثناء تغطية النزاعات وفق مفهوم الصحافة الحساسة، معتمدا في هذا على تفادى المحاذير التى وضعها روس هوارد، ومنها نقل وجهات نظر الفرقاء كونها ستحمل اتهامات وتؤجج الوضع، والتركيز على نقاط الخلاف، ونقل معاناة طرف واحد، واعتماد لغة مشحونة، وتحويل الرأى إلى واقع، وربط الحدث بخلفية دينية وغيرها.
كما ابتكر الباحث عددا من الآليات لقياس مدى انحياز أو موضوعية "القائم بالاتصال/ التغطية"، والتفت إلى اللغة وأهميتها وطريقة صياغتها والمصطلحات المستخدمة فيها لتغطية الأحداث ذات الطبيعة الطائفية؛ كونها هى الخطاب المعكوس المشكل للرأى العام، وبالتالى فمن الخطورة بمكان التساهل في التوصيف أو التعامل الاعتباطى مع الصياغة، كما أشار الكتاب إلى الضغط الذى يتشكل على منصات النشر المختلفة في عصر منصات التواصل الاجتماعى التى باتت تشكل رأيا عاما موجها للسياسات التحريرية بل وبعض الجهات الرسمية.
فخ الانحياز للذات
رغم أن الباحث مسيحى الديانة إلا أنه لم يسقط في الفخ الذى يحذر منه، فهو لم يتحامل على مخالفيه أو يجامل فئته بتبنى خطاب منحاز، وبالتالى لم يوظف كتابه لبث شكاوى الاضطهاد والتمييز التى يحلو للبعض الجأر بها ليل نهار، خاصة ممن هاجروا من مصر لبلدان لها مصلحة في استخدام "الأقليات" كورقة ضغط على دولهم، ما يدل على أن الهم العام هو ما يشغل مايكل فارس وليس الهم الفئوى أو الطائفى، والنبرة التى تبناها كانت من النضج بالدرجة التى تجعل من هذا الجهد البحثى عمدة في مجاله، ومن ثمّ فهو جدير بأن يقرر على طلبة كليات الإعلام، وأن تعتمده النقابات التى تقبل بخريجى الكليات الأخرى كإعلاميين وصحفيين، ذلك أنه يلفت نظر الدارسين إلى انحيازات قد يكونون هم في غفلة عنها، وقد ساق الباحث عددا من المغالطات التى تغلف عمل القائم بالاتصال، والتى يظن بسببها في نفسه موضوعية هو بعيد عنها، فأشار ـ مثلا ـ مستعينا بعلم النفس ـ إلى تأثير الأحكام الذاتية والمسبقة والأيديولوجيا على عمل الصحفى، ودور هذا وذاك في بناء انحيازات لاوعية تؤدى إلى تحيز إجرائى في صور وعناوين ومتنون الأخبار.
الصراحة لا المسايرة
كان الباحث صريحا في مواجهة الإشكاليات التي تثيرها المعالجة العشوائية للأحداث الحساسة، فانتقد أداء بعض وسائل الإعلام في استجابتها للتوجهات الأمنية ورفعها شعارات الوحدة الوطنية لتأتى تغطيتها سطحية مبتسرة ومنقطعة عن الأسباب والجذور، أو حتى استجابة للضغط المتشكل من مواقع التواصل فتسايره فى سياساتها التحريرية.
إن هدف الباحث في النهاية هو التأسيس لصحافة "السلام" أو صحافة "المسئولية الاجتماعية"، هذه الصحافة التى تشارك بإيجابية، كونها لا تشير على موطن الداء دون أن تضع الدواء، وربما لهذا السبب سمى الباحث كتابه "دستورا" يضم قواعد وأدوات التغطية المسئولة للنزاعات، وأنا أوافقه على هذه التسمية، وأعيد التأكيد على أن هذا الجهد البحثى جدير بأن يعرف طريقه إلى الجهات الأكاديمية وتلك التى تعتمد عمل الصحفيين والإعلاميين.
غلاف إعلام الكراهية.. آليات تغطية نزاعات الهوية