في ليلة ليست ككل الليالي، وفي رحاب احتفالية وزارة الأوقاف بليلة القدر المباركة، شهدت مصر والعالم الإسلامي لحظة تاريخية فارقة، حيث تفضل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بإعطاء إشارة البدء لإطلاق الموقع الرسمي وتطبيق إذاعة القرآن الكريم عبر شبكة الإنترنت.
هذه اللحظة لم تكن مجرد افتتاح لمشروع تقني، بل كانت إعلاناً رسمياً عن دخول "قوة مصر الناعمة" الدينية إلى عصر الرقمنة الشاملة، لضمان وصول صوت الحق والآيات البينات إلى كل بقعة في الأرض، وتتويجاً لختام الموسم الأول من المشروع الضخم "دولة التلاوة" الذي أعاد الروح لمدرسة القراءة المصرية العريقة.
ما هو تطبيق القرآن الكريم الجديد؟
وفي كواليس هذا الحدث الجلل، أكد الدكتور إسماعيل دويدار، رئيس إذاعة القرآن الكريم، لـ"اليوم السابع" أن التطبيق والموقع الجديدين يمثلان "الرفيق الدائم" للمواطن المصري والعربي في شتى تفاصيل حياته اليومية.
فلم يعد المستمع بحاجة إلى جهاز "راديو" تقليدي أو التواجد في نطاق جغرافي معين لاستقبال الموجات، بل أصبح القرآن الكريم ودروسه وعلومه متاحاً بجودة فائقة في الطرق المزدحمة، وداخل وسائل المواصلات، وفي مكاتب العمل، وحتى في أقصى رحلات السفر، ليكون كلام الله هو الأنيس والرفيق في كل ثانية.
واستطرد دويدار في وصف هذا المنجز التقني قائلاً: "إننا أمام كنز حقيقي بكل ما تحمله الكلمة من معنى"، فالتطبيق لا يقدم بثاً مباشراً فحسب، بل هو "خزانة أسرار" تضم تراثاً نادراً لم يجتمع في مكان واحد من قبل. هنا يجد المستخدم "دولة التلاوة" بكامل هيئتها وعمالقتها؛ فيمكنه بلمسة واحدة أن يسافر بوجدانه مع تلاوات الشيخ محمد رفعت "قيثارة السماء"، أو يخشع مع نبرات الشيخ محمد صديق المنشاوي، أو يستشعر الرهبة مع صوت الشيخ محمود علي البنا.
كما يضم التطبيق تسجيلات نادرة للشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ محمد محمود الطبلاوي، ليكون التطبيق بمثابة متحف صوتي حي يحفظ هوية القراءة المصرية من الاندثار ويقدمها للأجيال الجديدة في أبهى صورها.
تفسير القرآن عبر التطبيق الإلكتروني
ولم يتوقف طموح القائمين على التطبيق عند التلاوات فقط، بل امتد ليشمل الجانب التعليمي والخدمي والدعوي، فالمواطن الآن، كما أكد الدكتور دويدار لـ "اليوم السابع"، يستطيع الاستمتاع بتفسير الآيات والأحكام الشرعية والوقوف على صحيح الفتاوى من خلال مكتبة برامجية ضخمة.
ومن أبرز المفاجآت التي يحملها التطبيق، هي إتاحة الحلقات القديمة والنادرة لخواطر إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي، لتعود تلك الكلمات التي شكلت وجدان المصريين لعقود، لتصدح من جديد عبر الهواتف الذكية، موفرة مادة علمية ودينية دسمة تتسم بالبساطة والعمق في آن واحد.
تحديد المساجد
وعلى الصعيد الخدمي، أوضح رئيس الإذاعة أن التطبيق يواكب احتياجات المسلم المعاصر، حيث يتضمن ميزة تحديد المساجد القريبة من موقع المستخدم الجغرافي، مما يسهل على المصلين أداء عباداتهم أينما وجدوا.
كما استحدث التطبيق "السبحة الإلكترونية" التي تساعد الذاكرين على إحصاء تسبيحاتهم بطريقة عصرية وسهلة، لتكتمل الدائرة الإيمانية داخل التطبيق الذي صُمم ليكون تطبيقاً "شاملاً" لا يحتاج المسلم لغيره على هاتفه المحمول.
وعند العودة إلى جذور هذه الإذاعة العريقة، نجد أن تاريخها يضرب في عمق الريادة المصرية. فإذاعة القرآن الكريم من القاهرة هي الأقدم على مستوى العالم، حيث تأسست في 25 مارس عام 1964، وكان الغرض من إنشائها في البداية هو الحفاظ على المصحف المرتل من محاولات التحريف التي كانت تظهر في ذلك الوقت، فكانت مصر هي "حائط الصد" الأول الذي حمى كتاب الله بصوت كبار قرائها.
ومنذ انطلاقها، لم تكن مجرد إذاعة، بل كانت مدرسة لتعليم التجويد، ومنبراً لنشر الروحانيات، وصوتاً يجمع المسلمين من المحيط إلى الخليج على كلمة واحدة. واليوم، يأتي هذا التطبيق ليؤكد أن هذه الإذاعة التي ولدت من رحم الحاجة للحفاظ على النص الشريف، تتطور اليوم لتلبي حاجة الإنسان في العصر الرقمي، وتظل المنارة التي لا تنطفئ أبداً.
إن إطلاق الرئيس لهذا المشروع في ليلة القدر هو رسالة واضحة بأن الدولة المصرية، وهي تبني "الجمهورية الجديدة" من حجر وبشر، لا تغفل أبداً عن بناء "الروح" وتطوير الخطاب الديني وترسيخ الهوية الإسلامية الوسطية. فالتطبيق الجديد هو الجسر الذي سيعبر عليه تراثنا الديني العظيم إلى المستقبل، وهو الوسيلة التي ستجعل من "دولة التلاوة" المصرية حاضرة في وعي الشباب والأطفال، لتظل مصر دائماً هي "محراب القرآن" وصوت الإيمان الذي لا يسكت، والرفيق الذي لا يغيب عن صاحبه فى أى زمان أو مكان.
هذا المشروع الرقمي الضخم، الذي يجمع بين أصالة الماضي وعراقة الأصوات، وبين حداثة التكنولوجيا وسهولة الاستخدام، يمثل نقلة نوعية في تاريخ الإعلام الديني المصري. وكما قال الدكتور دويدار، سيظل الهاتف المحمول الآن يحمل في جنباته "كنزاً" لا يقدر بثمن، يجعل من الاستماع للقرآن الكريم وتدبر معانيه طقساً يومياً سهلاً وميسراً لكل إنسان، لتستمر إذاعة القرآن الكريم من القاهرة في أداء رسالتها السامية، وتظل دائماً وأبداً هي "الأصل" الذي يستقي منه الجميع نور الهداية وجمال التلاوة.