لم يكن الشيخ محمود البجيرمي مجرد صوت يصدح بالآيات، بل كان فيلسوفاً يقرأ بقلب يرتجف خشية، وروح ترحل في ملكوت الله لتنقل أسرار كتابه للأذن المثقفة، في السطور التالية نبحر في أعماق فلسفة الشيح محمود البجيرمي مع ابنه "أشرف" لنتعرف على فلسفته ونكشف اسراره وذكرياته..
كيف كانت فلسفة محمود البجيرمي في الربط بين النص القرآني وحالات النفس البشرية؟
اعتمد الشيخ البجيرمي منهجاً يقوم على أن القرآن ليس نصاً يتلى فحسب، بل هو "حال" يعيشه القارئ، كان والدي يؤمن بأن القارئ الصادق يجب أن ينسلخ عن الدنيا أثناء التلاوة، كان يدخل في حالة تشبه "الغيبوبة" أو المناخ العام الذي يجعله يستشعر الموت، لدرجة أن ملامح وجهه كانت تتغير كلياً عند آيات الوعيد والموت، فيتحول وجهه إلى الحمرة الشديدة وتتغير طاقته الصوتية لتناسب جلال الموقف.
وكيف تعامل مع أسرار اللغة؟
كان يرى أن الله يخاطب "الأذن المثقفة" التي تدرك أسرار اللغة، مثل وقوفه عند آية "وتوبوا إلى الله جميعاً" كرسالة مباشرة من الله للعباد.
كيف جعل الشيخ البجيرمي من "الفطرة" منهجاً لرفض "الشو" والتصنع؟
تعلم من الجماهير البسيطة أن "الفطرة" هي أقصر طريق للوصول للقلب، كان يرفض التصنع (الشو) ويقدس الروحانيات، معتبراً أن كل آية لها روح منفصلة من الإحساس المختلف، كان يرى أن القارئ الذي يتاجر بكلام الله هو "منافق"، ولذلك كان يهرب من الأضواء الزائفة والمظاهر التي تبتعد عن جوهر الخشوع.
أغرب وأصعب موقف تعرض له الشيخ محمود البجيرمي؟
حين كان في مهمة عمل بإيران لإحياء صلاة العيد، وقتها اتصل بأسرته معتذراً بحرقة عن عدم وجوده وسطهم، قائلاً بلهجة تجمع بين هيبة الموقف وحنين الأب: "أنا هنا بصلي بمليون ونصف شخص.. لكن العيد مش عيد من غيركم". لقد كانت عظمة الحشود في إيران لا تضاهي لديه دفء الجلسة بين أبنائه.
وبالنسبة لأغرب المواقف، رغم عبقريته، كان والدي أشد الناس نقدًا لذاته؛ فلم يكن يحب سماع تسجيلاته، وكان يرفض المجاملة في حق القرآن، بل يراجع نفسه بدرجة عالية من الصرامة والترفع.
ما هي أهم الطقوس التي كان يفعلها قبل التلاوة؟
لم تكن تلاوة الفجر عند الشيخ البجيرمي مجرد موعد عمل، بل كانت طقساً مقدساً يتطلب استعداداً بدنياً وروحياً خاصاً. كان يلتزم بنصيحة الموسيقار محمد عبد الوهاب، فكان يمتنع تماماً عن النوم أو الأكل قبل موعد الفجر، ليظل صوته في قمة صفائه وحضوره.
كيف كان يتعامل الشيخ محمود البجيرمي كأب مع أبنائه في رحلة حفظ القرآن؟
في منزل الشيخ والدي كان للقرآن قدسية لا تقبل التهاون، فهي مرحلة اتسمت "بالقسوة المحببة" التي تهدف لبناء جيل حافظ لكتاب الله، كان يوماً مهيباً حين يحضر الشيخ عبد العزيز لمراجعة الحفظ، فكان ذلك اليوم بمثابة "اختبار حياة" يقاس فيه مدى الالتزام والاتقان.
كيف طوع الشيخ البجيرمي ثقافة "كتب السير والتاريخ" لخدمة النص القرآن؟
لم تكن علاقة والدي بكتب السير والتاريخ مجرد اطلاع عابر، بل كان يرى فيها "المعلم الأكبر والمنصف الوحيد" لفهم سنن الحياة، كان يربط بين أحداث التاريخ وكلمات الله في تلاوته، باحثاً عن العبرة التي يغفل عنها الكثيرون، محولاً القراءة إلى تساؤلات وجودية تجعل المستمع يتأمل في مصائر الأمم.
ما هي الوصية التي تركها الشيخ لضمان استمرار إرثه؟
نصيحته لى" أوعى تغلط مع ربنا.. أنت كده كده رايح، روح وانت مش غاضب ربنا عليك".. كانت هذه الكلمات تلخص فلسفته في الحياة، وبعد رحيله ظل التواصل الروحي قائماً؛ ففي رؤية منامية مؤثرة، ظهر والدى في المنام عندما قمت بتجميع تراثه، جاءت الرؤية كطوق نجاة وطمأنة، حيث قال لى"أنا فرحان بيك"، وكأنها إشارة ربانية بالرضا.