أكرم القصاص

موائد الرحمن وموائد الاستعراض.. أشكال وطبقات وتحولات

الأحد، 15 مارس 2026 03:10 م


لموائد الرحمن تاريخ فى مصر، ربما يعتقد البعض أنها ظهرت بهذا الشكل خلال العقود الأربعة الأخيرة، وهو أمر صحيح، لكن الموائد كانت موجودة فى بعض المساجد والمناطق على مدى العقود فى القاهرة تحديدا وربما الإسكندرية وبعض عواصم المحافظات، لكنها كانت موائد صغيرة لأن أغلب الناس كانوا يجدون مجالا للإفطار فى بيوتهم، بجانب أن الطبقة الوسطى اتسعت حتى السبعينيات من القرن العشرين، وكانت دخول الناس وأيضا مطالبهم بسيطة، والوضع الاقتصادى متقارب ولا توجد الفوارق الضخمة فى الدخول، ربما مع الانفتاح الاقتصادى والتحول فى اتجاهات مصر الاقتصادية والزيادة السكانية هى التى غيرت من حراك الطبقات وانتجت طبقات ثرية وأخرى أقل ثراءً وتضاعفت نسب الفقر بشكل لافت مع ظهور أنشطة اقتصادية فى الاستيراد والتصدير والعقارات والسفر للخارج والتى غيرت من المستوى الاجتماعى، ومع التضخم فقد أغلبية الموظفين استقرارا ماديا استمرّ لعقود ومن لم يسافر أو يجد عوائد ريعية أو تجارية دخل فى رسوب اجتماعى.

والواقع أن موائد الرحمن بدأت بشكل ومضمون أقل خلال نهاية الثمانينيات من القرن العشرين والتسعينيات، تضاعفت أكثر وكانت هناك موائد شهيرة بل ربما ظهرت الفوارق فى الموائد حسب المنطقة وايضاً المستويات المختلفة حتى اتسعت فكرة التبرعات والجمعيات التى تنفق على موائد كبيرة، وأنواع أقل فى المساجد والأحياء المختلفة، وانتقلت إلى الأقاليم وأحيانا القرى بعد أن كانت نادرة لطبيعة الريف التضامنية والبيوت المفتوحة، وأيضاً معرفة الناس لبعضهم.

§تزامن اتساع موائد الرحمن مع توزيع شنط رمضان وهى أنشطة اجتماعية تزايدت ارتباطاً بزيادة السكان وخروج الكثير من الفئات بالطبقة الوسطى من مجالات الأمان، بجانب أن هذه الموائد أغلبها يقوم بها وينفق عليها من تبرعات لأفراد أو عائلات خاصة فى المناطق التجارية والتى تضم أثرياء أو رجال أعمال، بجانب عادات الطبقة الوسطى التى نمت مع اختلاف الواقع الاجتماعى والتضخم والاستقطاب الاقتصادى وتركز أنشطة التطوير العقارى والمضاربات وغيرها.

المفارقة أنه بالتزامن مع ظهور وتطور موائد الرحمن تضاعفت أرقام الوجبات الجافة التى توزعها الجمعيات ومنظمات المجتمع المدنى وبنك الطعام وباقى المؤسسات الاجتماعية التى تزامن ظهورها من تحولات اجتماعية واقتصادية ارتبطت بسياسات الخصخصة والمعاش المبكر وباقى التفاصيل التى غيرت الطبقات الاجتماعية وقسمت الطبقة الوسطى لطبقات أكتر منها الوسطى العليا والمستورة ثم الأقل فالأقل، بل حتى التحق موظفون وغيرهم بهذا العالم بالرغم من الجمع بين أكثر من وظيفة أو تغيير الكارير أو حتى العمل من خلال تطبيقات النت بالسيارات الملاكى التى أصبحت تمثل نوعا من زيادة الدخل لفئات كثيرة مستفيدة من شبكات الطرق الحديثة وطولها، ومع هذا لا يمكن تجاهل التحولات التى شهدتها مصر ارتباطاً بالأزمات والتحولات السياسية التى انعكست اقتصاديا واجتماعيا بعد يناير 2011، وانعكاسها على الاقتصاد والتضخم.

والمفارقة أن كل مرحلة من مراحل التحول شهدت تغييرا فى أشكال موائد الرحمن، التى رافقتها أشكال من الموائد التى تقدم إفطارا من خلال دعوات، حيث تزايدت أعداد دعوات أو عزومات إفطار وسحور بدأتها الأحزاب الحديثة أو الصحف والمواقع والشخصيات العامة، وبدأت بشكل اجتماعى طبيعى قبل أن تتوسع وتتحول فى بعض الأحيان إلى سباقات بين من يمكنه جذب نجوم أكثر من نجوم الموسم الدرامى، وهى أقرب للحفلات والمهرجانات هدفها العلاقات العامة وأحيانا الفشخرة والتباهى أكثر منها التضامن والتكاتف الرمضانى.

وتقترب هذه الموائد مع مهرجانات تنظمها شركات العلاقات العامة وتجذب لها رعاة ليمولوا المهرجانات، نفس الحال مع الموائد التى يقف وراءها رعاة هدفهم الإعلان، ووسط هذا تنعكس مواقع التواصل وحمى التصوير والفوتوسيشن وباقى مفردات عصر التواصل وأدواته مع هذا النوع من الموائد التى تدخل فى نطاق التباهى والعلاقات العامة والدعاية، ومنها موائد إفطار وسحور تعقدها الأحزاب بشكل أصبح يتضمن منافسة واستعراضا، خاصة أن بعض الأحزاب الحديثة العهد تعقد موائدها فى فنادق النجوم الخمس ومعها ندوات، تشكل موضة تتعارض مع طبيعة عمل الأحزاب السياسية والمنظمات الأهلية التى يفترض أنها تسعى للأغلبية من المواطنين بينما تقيم أنشطة انعزالية وأحيانا تشكل استفزازا وتعاليا على الجمهور.

وهنا نحن أمام أنواع من الموائد هدفها الاستعراض أكثر من التضامن، وتتعارض مع الشعارات والرسائل التى تطرحها بعض الأحزاب والمؤسسات لأنها تنتقل من فكرة التضامن إلى الاستعراض والتصوير والفشخرة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة