يعد اسم الشيخ محمود خليل الحصري علامة فارقة، ليس فقط بصوته الرخيم وإتقانه لأحكام التجويد، بل بمنهجه الفريد وفلسفته الخاصة في التعامل مع كتاب الله، وفي حوار يفيض بالذكريات، تكشف لنا ابنته الحاجة ياسمين الحصري تفاصيل لم تنشر من قبل عن طقوس "شيخ المقارئ" وكيف كان يربي أبناءه بالقرآن وللقرآن.
-ما فلسفة الشيخ محمود خليل الحصري في التعامل مع سور القرآن؟
الشيخ رحمه الله تعالى كان يحب أن يقرأ القرآن مرتبا حسب وجوده في المصحف، فكان دائما يسرد القرآن الكريم كما في ترتيبه المصحفي، سواء في قراءته لنفسه، وحتى في قراءته في المحافل، وكل يوم من الشهر العربي له الجزء الخاص به، يعني الجزء الأول في اليوم الأول، والجزء الثاني في اليوم الثاني من الشهر وهكذا، فكان لا ينتقي مقاطع ولا آيات معينة ليقرأ بها في المحافل كما يفعل بعض القراء، ولذا كان بعض القراء غير المتمكنين يتحرج عند وجود الشيخ، لأنه سيجعله يكمل من حيث انتهى، كان هذا دأبه، ويقول إن الله تعالى رتب هذه السور في المصحف بهذا الشكل لسر عظيم وحكمة بالغة، فينبغي أن يحافظ القارئ عليه ليفوز ببركة هذا الترتيب وما فيه من أسرار نورانية.
الشيخ الحصرى مع ابنائه
-حدثينا عن طقوس الشيخ الحصري قبل القراءة، وكيف كان يحافظ على صوته؟
الشيخ رحمه الله كان دائما مع القرآن الكريم، ولم يكن له ترتيبات معينة سوى ما يفعله جميع القراء، من المشروب الدافئ العادي، ولكن كان يرى مداومة القراءة والصحبة للقرآن هي الاستعداد الأساسي للقارئ، وكان كلامه دائما بهدوء، لا يصخب ولا يرفع صوته عن الحد المطلوب، عملا بتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي لصاحب القرآن أن يصخب مع من يصخب).
-ما أغرب موقف تعرض له الشيخ الحصرى على مدار حياته؟
حياة الشيخ رحمه الله كلها كانت للقرآن الكريم، والطاعة الله تعالى، وفيها مواقف ليست غريبة، ولكن فيها لطف من الله تعالى، ومن هذه المواقف أن أحد بلدياته جاء إلى بيته ومعه مبلغ من المال، يقول للشيخ رحمه الله هذا الدين الذي كان لك عندي أخذته منك في مكة في موسم الحج لأن نقودي فقدت مني هناك، فقال له الشيخ: أنا لم أقابلك ولم أعطك مالا أصلا، ولم أحج هذا العام!! فأقسم الرجل أن هذا حصل، وأصر على دفع المبلغ، ظنا منه أن الشيخ لا يريد أن يسترد المبلغ، فجاء الشيخ بجواز سفره وقال أنا لم أحج هذا العام، ورجاء لا تنشر هذا الأمر بين الناس، فهذا من أغرب المواقف والتأييدات الإلهية التي كان الله سبحانه يكرمه بها.
الشيخ الحصري
-كيف كان الشيخ الحصري الأب" يتعامل معكم في رحلة حفظ القرآن؟
الشيخ رحمه الله كان عالما أزهريا، ورجلا من أهل القرآن، ولذلك حرص على تربية أولاده على الأخلاق القرآنية، والآداب المحمدية، وكان يوصينا دائما بصحبة القرآن، ويشجعنا على ذلك بالجوائز الأدبية والمالية، ويتولى تسميع المحفوظ لنا بنفسه، فلم تكن أعماله تشغله عن هذه المسؤولية تجاه أولاده، وكان يحدد لنا مكافآت، حفظ السطر بكذا، والصفحة بكذا، والجزء عشرة جنيهات، وهكذا.
-هل كان يكتفي بالتحفيظ أم كان يشرح لكم معاني الآيات؟
الوالد رحمه الله كان يعلمنا تدبر القرآن الكريم، ويرى أن تدبر المعاني مقصود أساسي من قراءة القرآن الكريم، لأن المولى سبحانه وتعالى قال: (ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب).
صورة عائلية مع الشيخ الحصري
-ما الوصية التي تركها لكم لضمان استمرار هذا الإرث العظيم؟
الشيخ الحصري رحمه الله كان صاحب صفات مميزة في كل جوانب حياته، لكن أكثر ميزة فيه أنه كان شخصية تتجه إلى الله تعالى بكل ما تستطيع، ولذلك لم يكن يهتم بالأمور الدنيوية، بل الدنيا وما فيها بالنسبة له، كانت مجرد وسيلة يستعملها في مرضاة الله، وفي خدمة كتاب الله، ودائما ما كان بيته مفتوحا للقراء، وأهل القرآن صغارا وكبارا، ويقصده الناس من كل مكان، وما رد واحدا من أصحاب الحاجات أبدا، مهما كانت حاجته، ولا يسأل لماذا أنت محتاج، ولا يتحقق من الحاجة، بل كان يعتبر مجرد الطلب والسؤال من أي شخص بمثابة رسالة من الله واجبة التنفيذ، وقد أنشأ في قريته مسجدا ومعهما أزهر يا على نفقته الخاصة، كما أوصى رحمه الله بثلث ثروته للإنفاق على أهل القرآن، وأعمال البر والخير، وبناء على ذلك قمنا بتأسيس جمعية الشيخ الحصري لخدمة المجتمع، ومن سبع سنوات أسسنا مؤسسة الشيخ الحصري لخدمة القرآن الكريم، لتعمل على دعم القراء، والعناية بهم ماديا ومعنويا، لأنهم أشراف الأمة، وأهل الله وخاصته