عزة إبراهيم

"حكاية نرجس".. ابنة ابليس تبحث عن أمومتها في جيوب الظلام

السبت، 14 مارس 2026 10:55 م


في الدراما، ثمة شخصيات لا تُكتب كي نحبها، بل كي نحدّق طويلًا في مرآتها القاتمة، ومن هذا النوع تأتي شخصية البطلة في مسلسل "حكاية نرجس" الذي تؤدي بطولته ببراعة لافتة ريهام عبد الغفور، حيث يفتح العمل بابًا ثقيلًا على منطقة مظلمة في النفس الإنسانية: تلك المسافة الرمادية بين الحاجة المشروعة والانحراف الأخلاقي.

القصة، المستوحاة من واقعة حقيقية هزّت المجتمع المصري في تسعينيات القرن الماضي، تعود إلى امرأة لم تستطع الإنجاب، فقررت أن تختطف أطفالًا لتدّعي أنهم أبناؤها، تلك الحكاية المرتبطة باسم عزيزة ابنة ابليس ليست مجرد جريمة تقليدية، بل نموذج صارخ لما يسميه علماء النفس الاجتماعي "الانحراف التعويضي"، حين يحاول الإنسان تعويض نقص وجودي عميق عبر سلوك منحرف يتجاوز القيم والمعايير الأخلاقية.
فالحرمان من الأمومة في مجتمعات تُقاس فيها قيمة المرأة بقدرتها على الإنجاب قد يتحول إلى ما يشبه "صدمة هوية"، حيث تتعرض الذات لما يسميه علماء النفس "الوصم الاجتماعي"، ومع تكرار الإهانة والتهميش، قد تتكوّن لدى الفرد حالة من الانكسار النفسي المزمن تدفعه إلى تبني آليات دفاع متطرفة، منها الإنكار أو الهروب إلى واقع متخيّل، وهنا تبدأ الكارثة إذ لا ترى الجانية نفسها سارقة أطفال، بل أمًا تستعيد حقًا سُلب منها، وهو ما يسميه علم النفس "التبرير المعرفي"، حين يعيد العقل صياغة الجريمة ليجعلها أكثر احتمالًا أمام الضمير، في لحظة لا يمكن إنكار دور المجتمع في تغذية الظلام وصناعة مجرم يحمل في داخله بذور الشيطان.
لكن، مهما حاولنا فهم الدوافع، يبقى الألم الحقيقي في الضفة الأخرى: الأمهات اللواتي سُرق منهن أطفالهن. فالطفل في ثقافتنا ليس مجرد فرد في الأسرة، بل امتداد للروح والذاكرة والاسم. ولهذا فإن خطف طفل لا يُعد جريمة فردية فحسب، بل زلزالًا يضرب بنية العائلة كلها، ومن بين تلك الحكايات المؤلمة، تبرز قصة الطفل الذي لم يعثر على أهله حتى اليوم. عاش متنقلًا بين البيوت، وخضع لعشرات تحاليل الحمض النووي، وظهر في برامج كثيرة بحثًا عن خيط يقوده إلى جذوره، لترحل خاطفته منتحرة تاركة إنسانًا معلقًا بين هويتين، لا يعرف إلى أي ذاكرة ينتمي.
وعند هذه النقطة تحديدًا لا أستطيع المرور سريعًا، ولا أملك رفاهية التخفف من ثقل الحكاية، هنا يتوقف الزمن فجأة، ويصيب العقل والروح والقلب شلل كامل، ليس للحظات عابرة، بل لسنوات طويلة من الألم،  ألم يتجاوز في قسوته سنوات الضياع التي عاشتها الأم المكلومة والطفل المسلوب معًا، إنها معاناة تعجز اللغة عن احتوائها، وتضيق الكلمات عن وصفها، لكنها تظل تنبض جرحًا مفتوحًا وتنزف دمًا في قلب كل من عايش تلك المأساة أو اقترب من حافتها أو حتى شاهدها من بعيد، فالأمومة ليست مجرد علاقة بيولوجية، بل رابطة وجودية عميقة؛ وإذا كان الإنسان يتصدع حين يُنتزع منه ابنه قسرًا، فإن الطبيعة نفسها تشهد أن حتى الحيوان ينفطر قلبه وينقسم وجدانه إذا سُلب منه صغيره غصبًا وعدوانًا، فكيف إذن بقلب إنسانة يُختطف منها فلذة كبدها وتُترك سنوات طويلة تبحث عن صوته وملامحه ودفء حضنه في العدم؟
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الذي يطرحه كثيرون: لماذا يروي الفن قصص المجرمين؟ ولماذا يمنحهم مساحة إنسانية قد تبدو للبعض وكأنها تثير التعاطف معهم؟، الحقيقة أن الأدب والدراما لا يهدفان إلى تمجيد الجريمة، بل إلى فهم الظلام الكامن في الإنسان، فكل نفس بشرية تحمل في داخلها بذور الخير والشر معًا، وحين نشاهد قصصًا كهذه فإن العقل – في مستوى لا واعٍ – يعيد تقييم حدوده الأخلاقية، وكأن الفن يضعنا أمام سؤال صعب: ماذا لو كنا نحن في ذلك الموقف؟، من هنا يصبح كشف هشاشة الإنسان –حتى المجرم– ضرورة فكرية، لأن تجاهل الشر لا يلغيه، بل يجعله يعمل في الخفاء.
على المستوى الفني، يحمل المسلسل مجموعة من الأداءات اللافتة، فالممثل حمزة العيلي يقدم نموذجًا نادرًا لما يمكن تسميته بالتمثيل الصامت؛ حيث تتكلم ملامحه قبل الكلمات، نظرة العين، وارتعاشة الوجه واليدين، وصمت الجسد، ابتسامته وبكاءه، كلها عناصر تصنع أداءً يجعل المشاهد مستمتعًا بالفرجة حتى دون الإصغاء إلى الحوار، فالتعبير الإنساني الصافي يتسلل من بين التفاصيل.
أما سماح أنور فقد استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تصنع لنفسها وزنًا دراميًا خاصًا، فهي تلك الممثلة التي تتحول في كل عمل إلى "فاكهة الشاشة"، قادرة على التنقل بين الكوميديا والتراجيديا والسوداوية بخفة ممزوجة بخبرة ووعي عميق بأدواتها.
ويأتي حضور أحمد عزمي ليحمل بُعدًا إنسانيًا خارج النص أيضًا،  فعودته إلى الشاشة بعد سنوات من الغياب والتراجع، تبدو وكأنها شهادة على قدرة الإنسان – قبل الفنان – على استعادة بريقه رغم الأزمات، فالموهبة الحقيقية لا تختفي، بل تنتظر لحظة الصدق كي تعود.
ويبقى الرهان الأكبر على أداء ريهام عبد الغفور، التي تثبت مرة أخرى أنها واحدة من أثقل ممثلات جيلها دراميًا، فهي تمشي في الشخصية فوق خيط دقيق بين القسوة والهشاشة، بين الإجرام والإنسانية.
وفي النهاية، قد يظل السؤال مفتوحًا: هل يجب أن يعيش المجرمون ملعونين في الذاكرة، أم يجب أن نفهمهم لنفهم أنفسنا؟، فالفن لا يبرر القبح، لكنه يكشفه… لأن القبح، حتى حين نرفضه، يظل جزءًا من الحكاية البشرية، ولأن القبح جزء من العالم، فإن له – paradoxically – جانبًا جماليًا حين يُعرض بصدق، فالفن، في جوهره، ليس احتفالًا بالملائكة… بل محاولة لفهم الإنسان.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة