ما إنْ يُطوَى سجلُّ رمضانَ، وتُرفَعُ صحائفُ الأعمالِ فيهِ، حتى يبدو المشهدُ متباينًا بين قلوبٍ ثبتتْ على الاستقامةِ، وأخرى ما لبثتْ أن تراجعتْ خطواتُها إلى ما كانتْ عليه قبلَ موسمِ الطاعةِ. وتلك آفةٌ خطيرةٌ تُهدِّدُ ثمارَ العبادةِ، وتُنذرُ بخللٍ فى فهمِ المقاصدِ وحقيقةِ الاستقامةِ.
وقد حذَّرنا اللهُ تعالى من هذه الآفةِ، وضرب مثلًا بليغًا لها حين قال: ﴿ولا تكونوا كالتى نقضتْ غزلَها من بعدِ قوةٍ أنكاثًا﴾، وهو مثلٌ عجيبُ البيانِ، بالغُ التأثيرِ، يرسم صورةَ امرأةٍ أحكمتْ غزلَها، وشدَّتْ خيوطَهُ، حتى إذا اشتدَّ واستقامَ، عادتْ فنقضتْهُ خيطًا خيطًا، حتى صارَ أنكاثًا، أى خيوطًا متفرّقةً بعدَ اجتماعٍ، وضعفًا بعدَ قوةٍ. واختارَ القرآنُ الكريمُ صورةَ الغزلِ؛ لأنه عملٌ يحتاجُ إلى صبرٍ ومهارةٍ، تمامًا كما تحتاجُ الاستقامةُ إلى مجاهدةٍ ومصابرةٍ.
وإنْ كان الخطابُ متعلّقًا بالعهودِ، فإنَّ المثلَ أوسعُ دلالةً وأعمقُ أثرًا؛ إذ يشملُ كلَّ من يبنى طاعةً ثم يهدمُها، ويجمعُ قلبَهُ على الاستقامةِ ثم يفرّقُهُ بالمعصيةِ، ويجتهدُ فى تزكيةِ نفسِهِ ثم يعودُ إلى ما يُضعفُها.
ومن هنا كان هذا المثلُ مناسبًا للتحذيرِ من الانتكاسِ بعدَ مواسمِ الطاعةِ، كرمضانَ؛ إذ كيف يليقُ بالمؤمنِ أن يُحكمَ غزلَ التقوى شهرًا كاملًا، ثم ينقضَهُ بيدِهِ بعدَ ذلك؟!
لقد جعلَ اللهُ تعالى الغايةَ من الصيامِ تحقيقَ التقوى، فهو ليس غايةً فى ذاتِهِ، بل وسيلةٌ لبناءِ رقيبٍ داخلى يُلازمُ العبدَ فى السرِّ والعلنِ. فإذا انقضى الشهرُ، وبقيتِ التقوى حيَّةً فى القلبِ، فقد تحقّق المقصودُ؛ أما إذا انقضى الصيامُ بانقضاءِ الأيامِ، وعادتِ النفسُ إلى غفلتِها، فإنَّ ذلك يكشفُ عن عبادةٍ موسميةٍ لم تتجاوزْ حدودَ العادةِ.
ومن أبرزِ أسبابِ الانتكاسِ بعدَ رمضانَ ضعفُ الإخلاصِ؛ إذ قد يتسلّلُ إلى بعضِ النفوسِ معنى المجاراةِ الاجتماعيةِ أو الحماسةِ المؤقتةِ. والعبادةُ التى لا يؤسِّسُها الإخلاصُ سرعانَ ما تخبو جذوتُها.
ومن الأسبابِ كذلك غيابُ الصحبةِ الصالحةِ التى تُعينُ على الثباتِ؛ ففى رمضانَ تكثرُ مجالسُ الذكرِ، وتصفو البيئاتُ بالإيمانِ، فإذا انقضى الشهرُ وعادَ المرءُ إلى بيئةٍ تُثقلُ روحَهُ بالغفلةِ، ضعفَ عزمُهُ وخبا نشاطُهُ، وقد أرشدَ النبى صلى الله عليه وسلم إلى أثرِ البيئةِ بقوله: «المرءُ على دينِ خليلهِ، فلينظرْ أحدُكم من يُخاللْ».
والعلاجُ يبدأُ بتصحيحِ الفهمِ؛ فرمضانُ مدرسةُ إصلاحٍ وتهذيبٍ، ومحطةُ تزوّدٍ بالطاعاتِ. ومن وسائلِ الثباتِ المداومةُ على القليلِ من العملِ مع الإخلاصِ فيهِ؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدومُها وإنْ قلَّ». فالركعتانِ فى جوفِ الليلِ، والوردُ اليسيرُ من القرآنِ، أعمالٌ صغيرةٌ فى ظاهرِها، عظيمةٌ فى أثرِها إن لزمَها العبدُ وأحسنَ المداومةَ عليها.
وإنَّ علامةَ قَبولِ الطاعةِ أن تُثمرَ طاعةً بعدها، وعلامةَ الانتكاسِ أن يُتبعَ الإحسانُ بالإساءةِ. فليكنْ رمضانُ بدايةَ عهدٍ جديدٍ مع اللهِ، ولنتذكّرْ أنَّ ربَّ رمضانَ هو ربُّ سائرِ الشهورِ، وأنَّ طريقَ الاستقامةِ ممتدٌّ ما امتدَّ العمرُ. فمن صدقَ فى طلبِ الثباتِ أعانَهُ اللهُ، كما وعدَ سبحانهُ: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلَنا﴾.