بيشوى رمزى

"صدام السيادات".. حرب إيران وطبيعة الصراع الدولي الجديد

الخميس، 12 مارس 2026 11:00 ص


لو كانت الحرب على إيران تمثل نموذجا واضحا للصراع الشبكي، حيث تتركز المواجهة أساسا على تقويض، أو بالأحرى تفكيك شبكة متمردة عبر التأثير في قرارها الداخلي، دون اللجوء إلى أدوات الاحتلال العسكري المباشر أو السعي الفوري إلى إسقاط النظام، فإن السؤال الأكثر إلحاحا يتعلق بطبيعة العلاقة بين أطراف الشبكة المنخرطة في هذا الصراع.

ويكتسب هذا التساؤل أهمية إضافية عند النظر إلى بنية الشبكة الدولية المركزية التي تقودها الولايات المتحدة، خاصة في مقابل الشبكة الإيرانية التي تبدو أكثر وضوحا في بنيتها القيادية، باعتبارها امتدادا محدثا لما عرف تقليديا بمحور الممانعة، وليس مجرد تحالف طارئ ولدته لحظة الحرب الراهنة.

والواقع أن العلاقة البينية داخل الشبكة الدولية المركزية، في إطار الموقف من الحرب القائمة على إيران، تمثل اختلافًا جذريا عن الحروب التي خاضتها واشنطن سابقا، سواء في ظل الثنائية القطبية أو تحت مظلة الهيمنة الأحادية المطلقة، فقد اتسمت تلك الحروب بدرجة واضحة من جماعية التحرك داخل المعسكر الغربي، حتى وإن لم يكن ذلك التحرك عسكريا بالضرورة، إذ كان الدعم السياسي حاضرا بقوة لتعزيز أهداف القيادة العليا للمعسكر.

ويبدو ذلك بوضوح في حالتي العراق وأفغانستان، باعتبارهما النموذجين الأقرب إلى الذهن، فعلى الرغم من محدودية التحالف العسكري آنذاك، والذي اقتصر في معظمه على مشاركة بريطانية وفرنسية رمزية، فإن المعسكر الغربي وفر غطاء سياسيا واسعا للتحرك الأمريكي، بما أسهم عمليا في خلق شرعية بديلة للأمم المتحدة، خاصة في ظل رفض مجلس الأمن التدخل العسكري في العراق، وهو ما أثار جدلا واسعا حول مدى انسجام التحرك مع قواعد القانون الدولي.

إلا أن الجانب الذي يبدو مختلفا في اللحظة الراهنة يتمثل في الخلافات البينية داخل الشبكة المركزية نفسها، والتي تعد الوريث المؤسسي للمعسكر الغربي في صورته التقليدية، فقد برزت تباينات واضحة في المواقف من الحرب على إيران، تجلت بشكل لافت في المواقف الأوروبية المعارضة، وعلى رأسها إسبانيا، التي واجهت انتقادات أمريكية حادة بعد رفضها الصريح استخدام قواعدها العسكرية في الهجمات على طهران.

وفي الوقت ذاته، يتسم الموقف الفرنسي بدرجة من التردد، إذ يجمع بين رفض الهجمات الأمريكية وانتقاد الهجمات الإيرانية على دول الجوار وقبرص، غير أن خلاصة الموقف الفرنسي تظل قائمة على تحميل واشنطن مسؤولية حالة الانفلات الدولي التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، واعتبار الهجوم خروجا على قواعد القانون الدولي، إلى جانب مواقف أخرى متباينة تبنتها بريطانيا وألمانيا في الإطار نفسه.

ويقودنا هذا الطرح إلى عدد من المتغيرات التي تبدو سمات رئيسية في حقبة الـ GAPS أو " Gobal Architecture for Policy Sovereignty " (الهدنسة العالمية لسيادة السياسات) ، وفي مقدمتها ما يمكن وصفه بـ خشونة التحالف بين المركز والأطراف داخل الشبكة، وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن فرض قيود تجارية إضافية على إسبانيا، وهو ما يعكس نمطا عقابيا داخل الشبكة الواحدة، تجاه طرف يتسق مع المركز أيديولوجيا وحضاريا، وهو ما يعكس طبيعة مرحلة لم تعد محكومة بمواثيق صلبة تمنح الأطراف حقوقا مستقرة، في حال خروجها عن الإطار المرسوم، كما يعكس ذلك في الوقت ذاته درجة المرونة التي يتمتع بها المركز الشبكي في تعديل القواعد بما يسمح له بتحقيق مصالحه بصورة مباشرة، دون النظر إلى الاعتبارات القائمة على الأيديولوجية والبعد الحضاري، والتي شكلت مركزا للصراع الدولي في الحقب الماضية.

وهنا يبدو البعد السيادي باعتباره الإطار الجديد للصراع الدولي، في إطار ما يمكن تسميته بـ "صدام السيادات". فإذا كانت الحرب على إيران تمثل محاولة لتطويع شبكة يقودها طرف مارق عبر السيطرة على سيادتها عن بعد، فيما أسميته في مقالات سابقة بـ"حرب السيادة"، فإن سيادة الأطراف داخل الشبكة المركزية لا تخرج هي الأخرى عن إطار قابل للتطويع عند الخروج على القيادة، عبر أدوات مختلفة مثل العقوبات والقيود التجارية، وربما من خلال تعزيز دور أطراف منافسة داخل الشبكة نفسها، وهو ما يمثل في النهاية تهديدا ضمنيا لكل من يحاول تبني مواقف تتعارض مع توجهات المركز.

ومفهوم "صدام السيادات" أو "Clash of Sovereignties" يمثل في جوهره امتدادا للتطورات التي شهدها الفكر الاستراتيجي بعد الحرب الباردة، فبينما قدم صموئيل هنتنجتون تصورا لصراع حضاري بين الكتل الثقافية الكبرى، تبدو المرحلة الراهنة أقرب إلى صراع بين أطراف المعادلة الدولية على القدرة على تطويع القرار السيادي للدول الأخرى، سواء في إطار التحالفات داخل الشبكة الواحدة أو في إطار المنافسة بين الشبكات المتعددة.

وهنا تصبح الكرة في ملعب الأطراف الفاعلة، حيث يبقى الرهان حول ما إذا كانت تملك من المرونة ما يؤهلها لتعزيز دورها داخل المنظومة الشبكية في مواجهة المركز، حتى وإن احتدت التباينات بينهما، وفي المقابل يظل التساؤل مطروحا حول ما إذا كان المركز يستطيع إدارة شبكة معقدة تحمل في داخلها قدرا متزايدا من الخلافات، قد يفتك بالمنظومة بأسرها إذا ما فشل في احتوائها.

فلو نظرنا إلى الأطراف، نجد أن التباينات تمثل فرصة للمؤثرين منهم ليصبحوا محلا للاستقطاب من قبل الشبكات المنافسة، وهو ما يسهم في تعزيز قرارها السيادي عبر تنويع الشبكات التي تنخرط فيها، ويرتبط ذلك أساسا بمدى قدرتها على التفاعل داخل أكثر من منظومة في الوقت نفسه، وفي المقابل تبقى قدرة المركز على إدارة هذه التباينات داخل منظومته تحديا كبيرا للاحتفاظ بموقعه، في ظل تحول طبيعة القيادة العالمية نفسها من إدارة التوافق إلى إدارة التباينات.

وهنا يمكن القول إن الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة مع شبكة متمردة، بقدر ما تمثل اختبارا لطبيعة النظام الدولي في حقبة الـ GAPS فالصراع لا يدور فقط حول قدرة المركز على تطويع الشبكات المنافسة، بل كذلك حول قدرته على الحفاظ على تماسك شبكته الخاصة في ظل تباينات متزايدة بين أطرافها. وبينما تسعى بعض القوى إلى توظيف هذه التباينات لتعزيز هامشها السيادي عبر تنويع الشبكات التي تنخرط فيها، يبقى التحدي الأكبر أمام المركز الدولي هو إدارة هذه التعقيدات دون أن تتحول إلى مصدر إضعاف لبنية القيادة نفسها. ومن ثم، فإن مستقبل الصراع لا يتوقف فقط على نتيجة المواجهة مع إيران، بل على قدرة الأطراف المختلفة على التكيف مع منطق مرحلة لم تعد تقوم على تحالفات صلبة بقدر ما تقوم على شبكات مرنة تتحرك فيها السيادة كمتغير قابل لإعادة التشكيل باستمرار.

 

 

 

إقرأ أيضا

من "GATT" إلى "GAPS".. تحولات الهيمنة في عصر تسييل السيادة

"GAPS".. كيف تصيغ الحقبة الجديدة شرعيتها؟

من السوق إلى السيادة.. إعادة تعريف العولمة في زمن الـ"GAPS"

فلسفة الـ"GAPS".. السيادة من الغطاء القانونى إلى التعويم

من تحالفات الولاء إلى البنية التشغيلية.. السيادة فى سوق الـ"GAPS"

من التحوط إلى المضاربة.. استراتيجيات الدول فى سوق الـ"GAPS"

حرب السيادة.. طبيعة الصراع في حقبة الــ GAPS

الـ GAPS وبنية النظام العالمى.. أحادية قطبية وتعددية شبكية

حروب GAPS.. إيران بين الاستنزاف والمضاربة فى سوق السيادة




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة