استمر المؤتمر الصحفى أكثر من ثلاث ساعات بمصنع الطائرات بحلوان، فى 11 مارس، مثل هذا اليوم، 1965 وحضره أكثر من 50 خبيرا من ألمانيا فى صناعة الصواريخ والطائرات يعملون ويقيمون بمصر، وفقا للكاتب الصحفى محمود مراد فى كتابه «الحرب الخفية- قصة العلماء الألمان فى مصر».
لم يكن حدث المؤتمر عاديا، لأنه يبعث برسالة إلى العالم بأن هؤلاء الخبراء مصممون على الاستمرار فى مصر، رغم الضغوط عليهم، والقصة حسب «مراد» تبدأ من عام 1957 حينما اجتذبت مصر سرا «علماء ألمان» ليساهموا فى تنفيذ خطة طموحة فى الصناعة الحربية تشمل الصواريخ والطائرات، وكان هؤلاء العلماء والفنيون ممن قاموا بصناعة السلاح فى ألمانيا بزعامة هتلر قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، وبعد انتهاء الحرب بهزيمة ألمانيا فى سبتمبر 1945 تسابقت دول أبرزها أمريكا على اجتذابهم، ونجحت مصر فى استقطاب بعضهم وأبرزهم «ولفانج بيلز» الساعد الأيمن للعالم «براون» الملقب بـ«أبوالصواريخ الألمانية» الذى اجتذبته أمريكا.
يذكر الدكتور محمد بهى الدين عرجون الملقب بـ«أبوالبرنامج الفضائى المصرى» فى كتابه «الفضاء الخارجى واستخداماته السلمية»: «كانت مصر بين عدد من الدول التى قررت الدخول فى مجال صناعة الصواريخ مبكرا، إدراكا منها لأهمية هذه التقنية، وكان دخولها فى هذا المجال عن طريق مجموعة خبراء ألمان عملوا مع «فون براون» فى الصاروخ «أف 2»، وضمت مصر إليهم علماء ومهندسين مصريين الذى كان عليهم أن يتعلموا دقائق التقنية الجديدة».
يؤكد «عرجون»: «أن البرنامج المصرى أوقفه هزيمة 5 يونيو 1967»، ويضيف: «المرحلة من 1960 إلى 1967 هى أفضل المراحل العلمية فى تاريخ مصر المعاصر بمعايير موضوعية وليست أيديولوجية ولا عاطفية، وبلغ حجم العمالة فى مصنع صخر لصناعة الصواريخ نحو ألف عامل وعالم مصرى يساعدهم نحو 250 عالما وفنيا ألمانيا».
يضيف «عرجون»: «حذرت أمريكا مصر، ولم تكن إسرائيل تملك صناعة صواريخ، وفى شتاء 1962 بدت حملة إرهاب ضد هؤلاء العلماء الألمان العاملين على رأسهم عالم الصواريخ الكبير «بيلز»، الذى عمل مع «فون براون» فى الصاروخ «ف2»، وعالم الإلكترونيات والتحكم «كلا ينفختر».
يذكر محمود مراد أن إسرائيل عملت لإفشال هذا المخطط المصرى بتهديد هؤلاء الألمان بخطابات وطرود مفخخة، كما حدث يوم 21 سبتمبر 1964 بإرسال خطاب مفخخ لأحدهم، لكن حدث خطأ فى كتابة العنوان، فعاد ساعى البريد بالخطاب لينفجر فى اليوم التالى «22 سبتمبر» بمكتب بريد المعادى، واكتشف الأمن أن جاسوسا ألمانيا هو «لوتز»، زرعه «الموساد» الإسرائيلى يرسل الخطابات ويمد إسرائيل بالمعلومات عن هؤلاء الألمان، وتم القبض عليه يوم 5 مارس 1965.
يؤكد «مراد» أن أحدا فى القاهرة- لا العلماء ولا المسؤولين عنهم- اهتز من هذه التهديدات، أو من الحملات المسعورة فى الصحف، وضغوط المسؤولين الألمان، بدليل المؤتمر الصحفى يوم 11 مارس، مثل هذا اليوم، 1965، الذى حضره أكثر من خمسين خبيرا ورئيسا للعمال، وبدأ بحديث للبروفيسور «فرديناند براندنر» كبير الخبراء، وعرض فيه حملات التشكيك والتهديد، وقال: إن جريدة «شتوتجارت زايتونج» الألمانية نشرت رسالة لمراسلها «هورست آندل» ملأها بالأكاذيب عن حياة الألمان والنمساويين بالقاهرة، فمثلا قالت بالحرف الواحد: «إن زوجات الخبراء الألمان فى القاهرة والإسكندرية قمن بإعداد حقائبهن إيذانا بالسفر من القاهرة، وهذا الكلام غير صحيح بدليل أننا هنا نعمل وسنستمر فى عملنا، وليس هناك ما نخشاه، وأننى أشعر بالخجل لأن حكومة بون «عاصمة ألمانيا الغربية وقتئذ» تكشف عن نفسها، وتسمح لنفسها بأن تبحث الطلب الذى تقدمت به إسرائيل لمنع العلماء الألمان من العمل فى الجمهورية العربية المتحدة «مصر». إن هذا الموقف ينسف أى حكومة، لأن الحكومة التى تحترم نفسها ترفض مناقشة مثل هذا الطلب. إن الحكومة الألمانية لا تستطيع أن تنفذ هذا الطلب».
ثم أجاب «آفالت كالاس» رئيس العمال على أسئلة الصحفيين، قائلا: «لم أجد أى مشكلة فى عملى حتى الآن، إن الصداقة التى تربط بين الشعب الألمانى والشعب العربى تعود إلى مئات السنين. إن زملائى العمال المصريين من أذكى العمال، وسأستمر فى عملى هنا، لقد أتيت منذ 4 سنوات وشهرين، وسأستمر حتى نهاية المدة المقررة فى العقد».
وقال «هربرت ستوف»: «الأهالى فى ألمانيا قد يصابون بانزعاج نتيجة لما تنشره الصحف، ولكن الواقع غير ذلك لأن الصحف فى ألمانيا تعطى معلومات مبالغا فيها، فى حين أن الأمر الواقع يختلف تماما عن هذه الصورة فنحن نعيش سعداء».
قال «شوينب سفيلد»، وهو كبير الخبراء الألمان وله شهرة دولية فى صناعة الطائرات: «جئنا إلى مصر من 4 سنوات لتنفيذ مشروعات هندسية، وقمنا بهذا العمل بنجاح ونريد أن نستمر، وإننا من أثر ما يقال وما حدث من «لوتز» نخشى أن ينظر إلينا المصريون نظرة مختلفة، لكن سنظل نعمل، وأرجو أن تبلغوا الشعب المصرى بأننا نريد أن نعمل وبنفس النجاح وبنفس الحماس».