مع دقات الساعات الأولى لنهار رمضان، وبينما ينساب الهدوء في الشوارع، تنفجر فجأة صرخات تعلن عن نشوب مشاجرة دموية هنا أو هناك، لتتحول الأجواء الإيمانية إلى ساحات للعراك وضجيج سيارات الإسعاف.
إنها "دراما نهار رمضان" التي لم تعد تقتصر على شاشات التلفزيون، بل انتقلت لتصبح واقعاً يومياً يشهده الشارع، حيث تذوب قيمة التسامح تحت وطأة "العصبية المفرطة" وضغوط الصيام، لتتحول أبسط الخلافات إلى جنايات مكتملة الأركان تهدم استقرار الأسر وتلطخ قدسية الشهر الكريم بالدماء.
أسباب مشاجرات رمضان
ورغم أنها حالات فردية، إلا أن الأسباب تتعدد والنتيجة واحدة، فبين طيات ملفات التحقيق نجد أن "خلافات الجيرة" تتصدر المشهد، حيث تشتعل شرارة الغضب من "رشة مياه" أو ضجيج أطفال أو حتى مشادة كلامية بسيطة بين الجيران، وسرعان ما تتطور لتدخل فيها أطراف متعددة وتتحول إلى مشاجرة جماعية.
أما في الشوارع المزدحمة، فتعتبر "أولوية المرور" هي الفتيل الأكثر اشتعالاً، خاصة في الساعات التي تسبق موعد الإفطار، حيث يسابق الجميع الزمن للوصول إلى منازلهم، فتصطدم السيارات وتتشابك الألسن، وفي لحظة غياب للعقل، تخرج الأسلحة البيضاء من "تابلوهات" السيارات لتكتب نهاية مأساوية لرحلة العودة إلى المنزل.
ولا تتوقف الأسباب عند هذا الحد، بل يبرز عامل آخر شديد الخطورة وهو "تجدد الخلافات القديمة"، حيث يجد البعض في ضغوط الصيام فرصة لتفريغ شحنات الغضب المكبوتة وتصفية حسابات قديمة كانت نائمة تحت الرماد.
فالصائم الذي يعاني من أعراض انسحاب "النيكوتين" أو "الكافيين" يصبح أكثر عرضة للاستفزاز، مما يجعله يفتح ملفات صراعات قديمة مع خصومه، فتتحول الجلسة التي كان من المفترض أن تكون للصلح في شهر الرحمة إلى معركة لتصفية الحسابات تروح ضحيتها أرواح بريئة.
جهود الداخلية في مواجهة المشاجرات
وفي مواجهة هذا العبث بالأمن العام، تبذل وزارة الداخلية جهوداً مضنية لا تتوقف على مدار الساعة، فمن خلال الانتشار الأمني المكثف والدوريات الراكبة، تنجح الأجهزة الأمنية في التدخل السريع لفض هذه المشاجرات قبل تفاقمها.
وتعتمد الوزارة على تقنيات حديثة من خلال رصد مقاطع الفيديو المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي والتحرك الفوري لضبط المتورطين، حيث يتم تحديد هوية الجناة والقبض عليهم في وقت قياسي، وهو ما يبعث برسالة طمأنة للمواطنين بأن عين القانون ساهرة ولن تسمح لأي "بلطجي" أو "مستهتر" بترويع الآمنين في نهار رمضان.
عقوبات رادعة
وبالحديث عن لغة القانون، فإن العقوبات في انتظار كل من تسول له نفسه العبث بالأمن، خاصة فيما يتعلق بحيازة الأسلحة. فالمشرع شدد العقوبة في حالات المشاجرات التي تستخدم فيها أسلحة، حيث تنص المادة 375 مكرر من قانون العقوبات على أن عقوبة "البلطجة" واستعراض القوة قد تصل إلى الحبس لمدة لا تقل عن سنتين، وتتضاعف العقوبة إذا وقعت الجريمة باستخدام أسلحة بيضاء أو نارية. أما فيما يخص حيازة الأسلحة البيضاء (كالمطاوي والسكاكين) دون مسوغ قانوني، فإن العقوبة تصل إلى الحبس مدة لا تقل عن شهر وغرامة مالية، بينما تشتد العقوبة لتصل إلى السجن المشدد إذا كانت الأسلحة نارية أو غير مرخصة، وقد تصل العقوبة إلى المؤبد في حال تسببت المشاجرة في "عاهة مستديمة" أو "قتل عمد".
إن شهر رمضان الذي جاء ليكون مدرسة لضبط النفس وتهذيب الأخلاق، لا يمكن أن يتحول إلى موسم للنزاعات القضائية والجنائية، فالوعي القانوني والأمني هو السلاح الأقوى لمواجهة هذه الظواهر، وعلى كل مواطن أن يدرك أن "ساعة غضب" في نهار رمضان قد تكلفه سنوات خلف القضبان، وتضيع عليه وعلى أسرته فرحة العيد وما بعده.
إن القانون وجد ليحمي الجميع، والضرب بيد من حديد على يد المخالفين هو الضمان الوحيد ليبقى الشارع المصري آمناً ومستقراً .