"فتح مكة" يوم المرحمة.. الإسلام يقوم على القيم والمبادئ لا حد السيف.. حدث غير وجه التاريخ وانتقل بالدعوة من مرحلة المدافعة إلى مرحلة الدولة والتمكين.. وتطبيق عملى لفقه الرحمة العامة وإحياء النفوس

الثلاثاء، 10 مارس 2026 02:00 م
"فتح مكة" يوم المرحمة.. الإسلام يقوم على القيم والمبادئ لا حد السيف.. حدث غير وجه التاريخ وانتقل بالدعوة من مرحلة المدافعة إلى مرحلة الدولة والتمكين.. وتطبيق عملى لفقه الرحمة العامة وإحياء النفوس مكة

كتب لؤى على

قالت وزارة الأوقاف إن فتح مكة (في العشرين من رمضان سنة ٨ه) ليس مجرد حرب كللت بالظفر، ولا هو مجرد استرداد لأرض سلبت، بل هو في الميزان العمري والتحليلي تتويج لسنوات الصبر واليقين، وتطبيق عملي ل(فقه الرحمة العامة) و(إحياء النفوس)، إننا أمام حدث غير وجه التاريخ، وانتقل بالدعوة من مرحلة (المدافعة) إلى مرحلة (الدولة والتمكين)، ولكن بأسلوب نبوي فريد قوامه: فتح القلوب قبل فتح الحصون

مقدمات الفتح استراتيجية حفظ العهود والردع النفسي

لم يرد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حربا، بل كان حريصا على قداسة العهد، بدأت الشرارة حينما نقضت قريش (صلح الحديبية) بإعانة حلفائها (بني بكر) على (خزاعة) حليفة المسلمين في انتهاك صارخ للأعراف.

نصرة المظلوم: حينما جاء عمرو بن سالم الخزاعي يستنصر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بأبياته الشهيرة، لم يتأخر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لحظة، وقال: «نصرت يا عمرو بن سالم» [رواه ابن هشام في السيرة النبوية].

هذا الموقف يؤسس ل(هيبة الدولة) التي تحمي حلفاءها، ولا تقبل بالضيم، فالرحمة لا تعني الضعف، بل تعني القوة في موضع الحق.

السرية المطلقة: اعتمد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- استراتيجية (التعمية الاستراتيجية)؛ ليحقق عنصر المفاجأة؛ فيحقن الدماء، فدعا ربه: «اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة» [البداية والنهاية].

يحلل هذا بأن الأخذ بالأسباب المادية الدقيقة (الكتمان، عيون الاستطلاع) هو جزء من التوكل، وليس منافيا لليقين بالنصر.

الزحف المقدس حرب الأعصاب وصناعة الاستسلام

تحرك الجيش النبوي (عشرة آلاف مقاتل) في رمضان، وحين وصلوا (مر الظهران) مشارف مكة، أمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بإيقاد النيران.

مشهد النيران: أمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الجيش فأوقدوا عشرة آلاف نار، «فخرج أبو سفيان، فقال: ما رأيت كالليلة قط نيرانا ولا عسكرا» [رواه ابن هشام في السيرة النبوية].

التحليل: هذه (حرب نفسية بيضاء)؛ فالهدف ليس الحرب، بل إدخال الرعب في قلوب قريش؛ ليستسلموا دون قتال، صيانة لحرمة البيت، وحقنا لدمائهم.

إسلام أبي سفيان تأليف القلوب ومنهج الاحتواء

في مشهد يجسد قمة الحكمة السياسية والاحتواء النبوي، جيء بأبي سفيان (رأس الشرك في ذلك الوقت) إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وهنا تتجلى عبقرية التعامل.

المواجهة الرحيمة: قال له سيدنا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟» [دلائل النبوة للبيهقي]. فاستجاب أبو سفيان، معترفا بصدق النبي ﷺ، قائلا: "ما أحلمك وأوصلك وأبرك"، معلنا إيمانه بعد أن زالت عنه غشاوة الشك التي لازمته في بدر وأحد.

تكريم يطفئ نار الحرب: ولما علمه النبي ﷺ من حب أبي سفيان للفخر، منحه تكريما معنويا يسهم في تهدئة النفوس وإنهاء المقاومة، فقال -صلى الله عليه وآله وسلم: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» [رواه مسلم].

هذا التصرف حول أبا سفيان من (قائد جيش العدو) إلى (جسر للسلام)، في مشهد يعلمنا كيف تفكك العداوات بالإحسان، وتبنى الجسور بالتكريم لا بالإذلال.

يوم المرحمة دخول الفاتح المتواضع

دخل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مكة، لا كما يدخل الملوك والقياصرة (بالخيلاء والبطش)، بل دخلها مطأطئا رأسه؛ تواضعا لله، حتى إن شعر لحيته الشريفة ليكاد يمس واسطة رحله، وهو يقرأ سورة الفتح.

إعلان الدستور الجديد: حينما قال سعد بن عبادة: "اليوم يوم الملحمة"، رد عليه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مصححا المسار الحضاري للأمة: «لا، بل اليوم يوم المرحمة، اليوم يعظم الله الكعبة» [رواه البخاري].

وهذا تغيير ل(عقيدة الجيش) من الانتقام إلى البناء، فالفتح في الإسلام هو تعظيم للمقدسات، وصيانة للإنسان، وليس استباحة للحرمات.

اللحظة الفارقة «اذهبوا فأنتم الطلقاء»

وقف أهل مكة يرتجفون، وهم الذين آذوه وحاصروه، وقتلوا أصحابه، ينتظرون حكم النبي -صلى الله عليه وسلم.

السؤال والمفاجأة: سألهم -صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: "خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم".

الحكم التاريخي: قال -صلى الله عليه وآله وسلم: «فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: {لا تثريب عليكم اليوم}، اذهبوا فأنتم الطلقاء» [ابن هشام: مع الروض الأنف، والسنن الكبرى للبيهقي].

المنهج التكاملي: هدمت الأصنام المادية والمعنوية حينما طعن النبي -صلى الله عليه وسلم- الأصنام بقوسه، وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل» [متفق عليه]، كان يهدم الوثنية، وحينما عفا عن قريش كان يهدم (أصنام الحقد والثأر) في النفوس.

تأسيس المجتمع المتماسك: العفو العام لم يكن ضعفا، بل كان (إعادة تدوير) للطاقة البشرية في قريش؛ فتحولوا من أعداء إلى جنود للإسلام (وقد ثبتوا لاحقا في حروب الردة).


إن فتح مكة كما يقرأ في مدرسة النبوة، هو فتح للقلوب قبل البلاد، لقد علم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - البشرية أن قمة القوة هي قمة الرحمة، وأن الدولة الإسلامية لا تقوم على السيف، بل تقوم على المبادئ، لقد كان هذا الفتح ثمرة شجرة، بذرت يوم البعثة، وسقيت بماء الصبر في مكة، ونمت في هجرة المدينة، وأينعت في صلح الحديبية، وقطفت ثمارها يوم دخل النبي مكة خاشعا شاكرا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة