بين مطرقة التهديد الروسي وسندان الغياب الأمريكي المفترض، تجد أوروبا نفسها مضطرة لإعادة تعريف "أمنها القومي"، فإما الانضواء تحت المظلة الفرنسية بشروط باريس، أو الاستمرار في المراهنة على الناتو، أو حتى التفكير في خيار نووي سيادي لبعض الدول الكبرى في القارة.
فلم تعد المظلة النووية مجرد مصطلح أكاديمي في أروقة مراكز الدراسات، بل تحولت في مطلع عام 2026 إلى واقع جيوسياسي يفرض نفسه على القارة الأوروبية بأكملها، وذلك اثر حرب إيران والهجمات المتبادلة بين ايران من ناحية والولايات المتحدة واسرائيل من الناحية الأخرى.
ومع إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخراً من قاعدة "إيل لونج" عن زيادة حجم الترسانة النووية الفرنسية لأول مرة منذ عقود، دخلت أوروبا مرحلة هي الأخطر منذ نهاية الحرب الباردة، حيث بدأ الحلفاء في البحث عن "ضمانات وجودية" تتجاوز وعود حلف الناتو التقليدية، وفقا لصحيفة 20 مينوتوس الإسبانية.
عقيدة الردع المتقدم فلسفة باريس الجديدة
تعتمد الرؤية الفرنسية الجديدة، التي أطلق عليها ماكرون الردع المتقدم (Dissuasion Avancée)، على مبدأ مفاده أن المصالح الحيوية لفرنسا باتت مرتبطة عضوياً بأمن جيرانها الأوروبيين.
ولأول مرة، تفتح باريس الباب أمام دول مثل ألمانيا وبولندا وهولندا للمشاركة في النظام البيئي للردع، ليس عبر امتلاك القنبلة، بل من خلال التدريبات المشتركة ونشر طائرات رافال القادرة على حمل رؤوس نووية في قواعد أوروبية بشكل دوري. هذه الخطوة تنهي عقوداً من الاستثنائية الفرنسية التي كانت تحصر السلاح النووي داخل حدود الجمهورية فقط.
انقسام أوروبي ومخاوف من الطلاق مع أمريكا
التحرك الفرنسي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لحالة الارتياب التي تسود العواصم الأوروبية بشأن مصداقية الالتزام الأمريكي.
ومع تصاعد نبرة "أمريكا أولاً" في واشنطن، وجدت دول مثل بولندا والسويد نفسها مضطرة للبحث عن بديل. وبالفعل، انضمت 8 دول رسمياً للمبادرة الفرنسية، بينما أبدت دول أخرى مثل النرويج انفتاحاً حذراً.
وفي ألمانيا، كشف المستشار فريدريش ميرتس عن تشكيل "فريق توجيه نووي" مشترك مع باريس، وهي خطوة كانت تعتبر "محرمة" في السياسة الألمانية قبل سنوات قليلة بسبب الحساسية التاريخية تجاه السلاح النووي.
روسيا.. لغة التهديد ونقطة اللاعودة
في المقابل، لم يتأخر الرد الروسي، حيث اعتبر الكرملين أن توسيع المظلة النووية الفرنسية يمثل "تهديداً مباشراً ووجودياً". وتؤكد موسكو أن نشر أي قدرات نووية أو لوجستية مرتبطة بها بالقرب من حدودها سيؤدي إلى إجراءات انتقامية "متكافئة". وترى الخارجية الروسية أن أوروبا تنزلق نحو "سباق تسلح لا يمكن السيطرة عليه"، محذرة من أن "نقطة اللاعودة" قد اقتربت مع انهيار آخر اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية (New START) التي انتهت صلاحيتها مؤخراً دون بديل حقيقي.
فرنسا..290 رأسا نوويا
بامتلاكها قرابة 290 رأساً نووياً وقدرات تكنولوجية ترفض الإفصاح عن سقفها الجديد، تضع فرنسا نفسها كحجر زاوية في أي دفاع أوروبي مستقبلي. ومع ذلك، لا يزال التحدي قائماً: هل يثق الأوروبيون في أن فرنسا ستضحي بباريس من أجل وارسو أو برلين؟ يرى خبراء أن ماكرون لا يقدم "زراً نووياً" مشتركاً، بل يقدم "مظلة سياسية" تهدف لمنع دول أوروبية أخرى من التفكير في تطوير أسلحتها الخاصة، وهو ما قد يؤدي إلى تفكك معاهدة منع الانتشار النووي.