هذه ليست قصة عن مارك زوكربيرج، وكونها ليست قصة عنه يحمل دلالة في حد ذاته، عالم وادي السيليكون يتغير، وتقنية جديدة، هي الذكاء الاصطناعي، أصبحت في قلب المشهد، ما أدى إلى ظهور مجموعة جديدة من النجوم الخارقين، بعضهم أصبح مليارديرًا بالفعل، وجميعهم باتوا يصنعون عناوين النقاش الكبرى داخل عالم التكنولوجيا.
لكن الحرس القديم ما زال حاضرًا، مارك زوكربيرج لا يزال في اللعبة، بحماسه التبشيري وميزانيته الضخمة، وكذلك سيرجي برين من جوجل لا يزال موجودًا، وإيلون ماسك ما زال يتصدر المشهد، أسماء مثل لاري إليسون، وبيل جيتس، وجيف بيزوس، وبيتر ثيل ما زالت تمثل مراكز جذب تدور حولها إمبراطوريات التكنولوجيا ويتحرك الناس من وإليها، لكن محادثات وادي السيليكون اليوم باتت تُقاد بدرجة كبيرة بواسطة النجوم الصاعدين، وليس الحرس القديم، هناك أصحاب رؤى جدد يصنعون مستقبل التكنولوجيا، وهذه قصتهم.
ألكسندر.. في طريقه لغزو العالم
وبما أننا بدأنا الحديث عن مارك زوكربيرج، فلنبدأ إذن بألكسندر وانج، يعمل وانج حاليًا لدى زوكربيرج، وهو واحد من نجوم الذكاء الاصطناعي الذين يبدو أنهم مقدر لهم تشكيل مستقبل التكنولوجيا، تمامًا كما فعل زوكربيرج قبل 20 عامًا، ورغم أن الحكم النهائي عليه لم يُحسم بعد، فإن صعود وانج الصاروخي لا يمكن إنكاره، أسس شركة Scale AI وهو في التاسعة عشرة من عمره، في قصة تشبه إلى حد ما تأسيس زوكربيرج لفيسبوك، بل مثل زوكربيرج الذي ترك هارفارد لملاحقة حلمه التقني، ترك وانج معهد MIT.
ومع تحول الذكاء الاصطناعي إلى كلمة رنانة، نمت Scale بسرعة كبيرة، لدرجة أنه بحلول عام 2021 أصبح وانج مليارديرًا، وأصغر ملياردير عصامي في العالم بعمر 24 عامًا، وفي عام 2025، أنفق زوكربيرج 14.3 مليار دولار للاستحواذ بشكل غير تقليدي على Scale AI، في خطوة لم يكن هدفها شراء الشركة بقدر ما كان هدفها استقطاب وانج وفريقه لمساعدة فيسبوك على بناء منصتها للذكاء الاصطناعي.
ومع فتح موارد فيسبوك الضخمة أمامه، قد ينتهي الأمر بوانج إلى إعادة تشكيل عالم التكنولوجيا بالكامل، كما فعل فيسبوك في الماضي، وقد وضع زوكربيرج ثقة هائلة فيه، لدرجة أنه عيّنه كبير علماء الذكاء الاصطناعي خلال أشهر قليلة من انضمامه، عمليًا، سيكون وانج مسؤولًا عن معظم الإعلانات الكبرى القادمة من ميتا في مجال الذكاء الاصطناعي، سواء تحديثات نماذج اللغة الكبيرة (LLM) مثل النموذج المرتقب، وإن كان افتراضيًا، “Llama Avocado”، أو مشروع ميتا الخاص بالذكاء العام الاصطناعي AGI، والذي تسميه “Superintelligence”.
داريو وديميس وسام
مع صعود الذكاء الاصطناعي، تغير تعريف “الرؤية التقنية” خلال السنوات الأخيرة، فبدلًا من أن تكون محصورة في أباطرة السوشيال ميديا أو البحث والإعلانات في عقد 2010، باتت مرتبطة أكثر بمن يقودون سباق الذكاء العام الاصطناعي (AGI)، كذلك فإن وانج ليس وحده، “أولاد الذكاء الاصطناعي” هم النجوم الصاعدة في وادي السيليكون، داريو أمودي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، أصبح أكثر حضورًا وتأثيرًا في الحديث عن المستقبل، بطريقة تشبه ما كان يفعله ستيف جوبز وجيف بيزوس وبيل جيتس في أوجهم.
ومع صعود Claude AI وتحوله إلى حديث موائد العشاء، بل وإلى أداة تسببت قبل أيام في موجة بيع لأسهم شركات SaaS، يمكن القول إن داريو أصبح، على الأرجح، أهم رجل في وادي السيليكون اليوم.
إلى جانب داريو، هناك أليكس كارب، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Palantir Technologies، وسام ألتمان من OpenAI، والسير ديميس هاسابيس، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لـGoogle DeepMind، هؤلاء باتوا يُنظر إليهم بوصفهم مهندسي العصر القادم.
أمودي.. “الذكاء الدستوري” والتحذير من صدمة الوظائف
تُعد Anthropic سببًا رئيسيًا في الإحساس بأن الذكاء الاصطناعي يتحرك بسرعة جنونية، ورغم التقدم الهائل، يظل أمودي، الذي غالبًا ما يوصف بأنه “الرؤية المبدئية” بين أقرانه، متمسكًا بفكرة “الذكاء الدستوري” الآمن، وبين الحين والآخر، يطلق تحذيرات بشأن فقدان الوظائف، إذ يعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيمحو 50% من وظائف ذوي الياقات البيضاء بحلول عام 2030، كما شبّه بيع رقائق Nvidia المتقدمة للصين بأنه يشبه “إعطاء قنابل نووية لكوريا الشمالية”.
ولا تنقصه الأفكار أو الكلمات، وقد صرح علنًا في دافوس، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي، بأنه لا بأس من تأخير الوصول إلى AGI إذا كان ذلك سيمنح البشر وقتًا لتعلم كيفية السيطرة عليه، وهو رأي يتفق فيه مع ديميس هاسابيس.
هاسابيس..أكثر المتنافسين مصداقية في سباق AGI
يُنظر إلى هاسابيس، وهو حاصل بالفعل على جائزة نوبل، بوصفه أكثر الرؤى مصداقية في سباق الذكاء العام الاصطناعي، ويصف الوضع الحالي بأنه “الأكثر حدة خلال 30 عامًا”، وهي بيئة يبدو أنه يتألق فيها.
وفي أكثر من مناسبة، أوضح الرئيس التنفيذي لجوجل سوندار بيتشاي أنهم كانوا يمتلكون “كل قوة الذكاء الاصطناعي في العالم”، على الأرجح قبل أن تقتحم OpenAI المشهد بعاصفة ChatGPT، لكنهم لم يطلقوا هذه القوة لأن الوقت لم يكن مناسبًا وربما العالم لم يكن جاهزًا، وعندما قرروا أخيرًا إطلاق النار، كان هاسابيس هو الرجل خلف السلاح والرصاصة.
لكن هاسابيس ليس مجرد قائد تقني تقليدي، فبينما يركز آخرون على قدرة الذكاء الاصطناعي على تلخيص البريد الإلكتروني، وهو ما يفعله Gemini بشكل ممتاز اليوم، فإن هاسابيس مهووس بفكرة “إغلاق الحلقة”، أي بناء أنظمة ذكاء اصطناعي تستطيع وضع فرضيات، وإجراء تجارب، واكتشاف أشياء لم يفكر البشر حتى في طرح أسئلتها.
رؤيته قائمة على مهمة واضحة: استخدام العلم والرياضيات لبناء آلات تعلم عامة تحل مشكلات العالم الحقيقي مثل تغير المناخ والأمراض.
سام ألتمان.. الرجل الموجود في كل مكان
ثم يأتي سام ألتمان، ورغم أن صورته العامة تعرضت لبعض الاهتزاز خلال العام الماضي، فإن الصعود والهبوط جزء طبيعي من الحياة في المسار السريع، وسام يقود بسرعة، ولسنا هنا نتحدث عن Koenigsegg Regera التي يُقال إنه يفضلها، وخلال السنوات العشر الماضية، جعل ألتمان من ChatGPT اسمًا مألوفًا في كل بيت، وبدونه ربما لم تكن هناك ثورة ذكاء اصطناعي بالشكل الذي يبدو العالم مهيأً له اليوم.
حاليًا، يجلس سام ألتمان في قلب عالم الذكاء الاصطناعي، محاولًا الجمع بين جانب الأعمال وجانب العلم في هذه التقنية، يجمع التمويل، ويحاول جذب المواهب إلى OpenAI، ويضع رؤية مستقبلية، لكنه في الوقت نفسه يحاول إبقاء الشركة قائمة عبر البحث عن نموذج إيرادات مستدام وسط منافسة شرسة من عمالقة مثل جوجل وميتا.
وفي الوقت نفسه، يخوض معركة قضائية مريرة، إلى جانب اشتباكات متقطعة على منصات التواصل الاجتماعي مع إيلون ماسك حول طبيعة OpenAI، بمعنى آخر، سام ألتمان موجود في كل مكان في عالم التكنولوجيا، بطريقة لم يكن حتى زوكربيرج أو ستيف جوبز موجودين بها في ذروة مجدهم.
أليكس كارب.. حشد القوى (العسكرية)
إذا كان داريو وسام هما الوجه العلني للذكاء الاصطناعي، فإن أليكس كارب هو الرجل خلف الستار، هنا يدخل الذكاء الاصطناعي الواقعي إلى الصورة، حيث أن شركة Palantir التي شارك في تأسيسها مع بيتر ثيل تُعد واحدة من أكثر الشركات غموضًا في العالم، لكنها أصبحت بالغة الأهمية والنفوذ لدرجة أن كارب لم يعد قادرًا على البقاء بعيدًا عن الأضواء، وبدأ يظهر علنًا محاولًا تشكيل اتجاه النقاش.
الإنترنت مليء بالفيديوهات والمقالات التي تحاول شرح ما تفعله Palantir، لكن ظلت هناك دائمًا هالة من الغموض، ومن ثم الفضول، حول طبيعة عملها، خصوصًا لأنها معروفة بتعاونها مع جهات حكومية، بما في ذلك في إسرائيل، ومع الجيش الأمريكي، لكن ما نعرفه أنها تعمل على البيانات وتساعد عملاءها على فهمها، ومع تحول البيانات إلى عنصر أكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي، لا يمكن المبالغة في تقدير دور Palantir.
وبالتقاط الإشارة، بدأ كارب، الذي كان شديد التحفظ في السابق، يظهر أكثر ويحدد نقاط النقاش في المنتديات المختلفة، ففي دافوس، قال إن شرارة التكنولوجيا انتقلت من “الألعاب الرقمية” إلى الأنظمة التي تستطيع تحمل عبء دولة كاملة، ورسالته الأساسية أن الذكاء الاصطناعي سيكون العمود الفقري للاقتصاد الحقيقي في المستقبل، وأن قدرة الدول على الذكاء الاصطناعي ستحدد من سيظل قوة عظمى ومن سيتراجع.
من “الهودي” إلى “المعطف الأبيض”
بينما بنت أجيال زوكربيرج الملاعب الرقمية التي قضينا فيها العقدين الماضيين، فإن وانج وأمودي وألتمان وهاسابيس وكارب يبنون “محرك الإدراك” لمستقبل العالم، فهم لا يديرون بياناتنا فقط، بل يصممون ذكاءً قد يتجاوز ذكاءنا في النهاية، هل سيقود هذا التحول إلى يوتوبيا من الاكتشاف العلمي، أم إلى صندوق باندورا من العواقب غير المقصودة؟ لا أحد يستطيع الجزم، لكن ما يمكن قوله بثقة هو: لقد استُبدل “الهودي” بـ“المعطف الأبيض”، وحلّت الشبكة الاجتماعية محلها الشبكة العصبية.