شحاتة زكريا

معركة الوعي في زمن الضجيج

الأحد، 08 فبراير 2026 10:55 ص


لم يعد العالم يعيش نقصا في المعلومات بل يعيش تخمة منها. كل دقيقة تولد آلاف الأخبار وكل ساعة تتكاثر الروايات وكل يوم يتسع الضجيج حتى يكاد يبتلع المعنى نفسه. في هذا المشهد المزدحم لم تعد المعركة الحقيقية حول من يملك السلاح الأقوى أو الاقتصاد الأكبر فقط بل حول من يملك القدرة على توجيه الوعي أو على الأقل حمايته من التشوه والارتباك نحن نعيش زمنا تتجاور فيه الحقيقة مع الشائعة على الشاشة نفسها وتقدم فيه المعلومة الجادة بنفس الإخراج البصري للخبر المثير فيختلط المهم بالهامشي والجوهر بالسطحي حتى يصبح القارئ العادي في حيرة دائمة: ماذا يصدق؟ ومن يثق به؟ هنا تبدأ معركة الوعي كأخطر معارك العصر لأنها لا تدار على الحدود بل داخل العقول .. الضجيج لم يعد مجرد ضوضاء إعلامية بل تحوّل إلى حالة عامة. منصات التواصل التي ولدت بوعد توسيع دائرة التعبير أصبحت في كثير من الأحيان ساحات استقطاب ومحاكم رأي عام سريعة الأحكام ومصانع لإعادة تدوير الغضب. في هذا المناخ لا ينتصر الأكثر دقة بل الأكثر إثارة. لا يتقدم الأكثر عمقا بل الأسرع انتشارا. وهكذا تدفع القضايا المعقدة إلى قوالب مبسطة حد التشويه ويختزل الواقع في عناوين صادمة لأن السوق يطلب ذلك والجمهور اعتاد عليه .. لكن المشكلة أعمق من الإعلام وحده. نحن أمام تغير في طريقة تلقي الناس للعالم. الصبر على القراءة الطويلة يتراجع والرغبة في الفهم المتأني تتقلص بينما يزداد الطلب على الجرعة السريعة من الرأي الجاهز والموقف المعلب. في هذه اللحظة يصبح الوعي هدفا سهلا للاستقطاب ويغدو العقل العام مهددا بأن يقاد بالانفعال أكثر مما يقاد بالحجة .. السياسة لم تكن يوما بعيدة عن هذا المشهد. في أزمنة الاضطراب العالمي تعاد صياغة الخطابات وتستخدم الكلمات كأدوات تعبئة قبل أن تكون أدوات شرح. الأزمات الاقتصادية والتوترات الإقليمية والتحولات الدولية الكبرى كلها ملفات تحتاج إلى خطاب يشرح ويطمئن ويضع الأمور في سياقها. لكن في زمن الضجيج كثيرا ما تختصر هذه الملفات في صراخ متبادل فيضيع المواطن بين روايات متناقضة ويشعر أن الحقيقة بعيدة المنال.

الخطر الحقيقي هنا ليس في اختلاف الآراء فالاختلاف صحي وطبيعي بل في تحوّل الاختلاف إلى فوضى سرديات حيث لا يعود هناك معيار واضح للتمييز بين التحليل الجاد والتلاعب العاطفي. حينها لا يهزم الناس بالسلاح بل بالإرهاق الذهني وبفقدان الثقة في أي رواية وبالانسحاب التدريجي من محاولة الفهم وهذا أخطر أشكال الهزيمة الدولة الحديثة أي دولة لا يمكنها أن تعتمد على القوة الصلبة وحدها لضمان الاستقرار. الوعي العام أصبح جزءا من الأمن القومي بمعناه الواسع. المجتمع الذي يفهم ما يجري حوله حتى لو اختلف أو انتقد هو مجتمع أكثر مناعة. أما المجتمع الذي يترك فريسة للشائعات والتأويلات المتطرفة فهو مجتمع قابل للاهتزاز عند أول اختبار كبير .. من هناتصبح المسؤولية مشتركة. الإعلام مطالب بأن يستعيد دوره التنويري قبل أن يكون سباقا في عدد المشاهدات. النخبة الفكرية مطالبة بأن تخرج من أبراجها العاجية إلى لغة يفهمها الناس دون أن تفرط في العمق. والمؤسسات التعليمية مطالبة بأن تعلم الأجيال الجديدة كيف تفكر لا ماذا تفكر فقط وكيف تميز بين الرأي والمعلومة وبين الخبر والتحريض.

أما المواطن فله دور لا يقل أهمية. في زمن الضجيج يصبح التريث فعل مقاومة. أن تتوقف قبل مشاركة خبر أن تسأل عن المصدر أن تقرأ أكثر من عنوان أن تسمح لنفسك برفاهية الشك الصحي كلها ممارسات بسيطة لكنها تصنع فارقا كبيرا في حماية الوعي العام من التلاعب .. نحن لا نعيش أزمة معلومات بل أزمة ثقة ومعنى. الناس لا تبحث فقط عن خبر جديد بل عن تفسير يطمئنها وعن سياق يجعل ما يحدث مفهوما وعن أفق يمنحها شعورا بأن الغد ليس نسخة أكثر قسوة من اليوم. في غياب هذا الأفق يزدهر الخطاب المتشائم وتتغذى الشعبوية ويصبح الغضب لغة يومية.


ومع ذلك لا يجوز أن نستسلم لفكرة أن الضجيج قدر لا يقاوم. التاريخ يقول إن المجتمعات التي انتبهت مبكرا لمعركة الوعي واستثمرت في العقل والتعليم والإعلام الرصين استطاعت أن تعبر لحظات الفوضى بأقل الخسائر. ليس المطلوب إعلاما ملونا بالوردي ولا خطابا ينكر الأزمات بل خطابا يعترف بالتحديات ويشرحها بصدق ويضع الناس أمام الحقيقة كاملة لا نصفها المثير فقط.
في النهاية معركة الوعي ليست معركة نخبوية ولا رفاهية فكرية بل شرط أساسي للبقاء في عالم شديد التعقيد. الضجيج قد يكون أعلى لكنه ليس أذكى. والرهان الحقيقي ليس على من يصرخ أكثر بل على من يفهم أكثر ويشرح أكثر ويصبر أكثر. حينها فقط يمكن أن نستعيد المعنى وسط هذا الصخب وأن نثبت أن العقول ما زالت قادرة على الانتصار حتى في أكثر الأزمنة ضوضاء.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة