فيروس بلا اسم ومرض بلا تشخيص.. اليوم السابع يحقق حول مرض غامض يجتاح رئة الغزيين.. شهادات إنسانية من القطاع تكشف المعاناة وسط حيرة بين متحور كورونا وعدوى بكتيرية مجهولة.. كبار السن والأطفال الأكثر إصابة ووفاة

الأحد، 08 فبراير 2026 02:00 م
فيروس بلا اسم ومرض بلا تشخيص.. اليوم السابع يحقق حول مرض غامض يجتاح رئة الغزيين.. شهادات إنسانية من القطاع تكشف المعاناة وسط حيرة بين متحور كورونا وعدوى بكتيرية مجهولة.. كبار السن والأطفال الأكثر إصابة ووفاة متحور كورونا

كتب أحمد عرفة - جرافيك أحمد جمال مرسي

 

- تسجيل 1700 إصابة يوميا داخل إحدى المقرات الطبية للأونروا

 

- شهادات طبية: القطاع يواجه نقصا حادا في الأدوية والمستلزمات الطبية لمواجهة الفيروس

- مدير قسم الأطفال بمجمع ناصر: الفيروس فى الأغلب متحور من الإنفلونزا

- مدير مستشفى الرنتيسى للأطفال: الفيروس عدوى بكتيرية مجهولة ونستقبل 450 طفلا يوميا

- مرضى بالفيروس: لا سبل للوقاية ولا إمكانية للعزل والمياه غير النظيفة وسوء التغذية السبب

- مدير عام صحة غزة: 57.1% من العينات الخاصة بالمياه غير آمنة للشرب في 2025

- إرشادات طبية بين أهالى القطاع للتصدى للمرض أبرزها الزنك وفيتامين سي

- مدير دائرة المختبرات بصحة غزة: لم نتمكن من تشخيص الفيروس لافتقادنا الكواشف المخبرية ومواد الفحص الأساسية

فى غزة، لا يأتي المرض كحالة طبية عابرة يمكن احتواؤها بتشخيص سريع أو دواء متاح، بل يتسلل بوصفه امتداد للحصار ذاته، صورة أخرى من صور القهر اليومى، هنا، لا يقاس الخطر بعدد الأسرة الطبية ولا بعدد أجهزة التنفس، بل بعدد الأجساد المنهكة التى تترك وحيدة فى مواجهة فيروس بلا اسم، وواقع صحى بلا أدوات، وشتاء قاس يزيد الوجع وجعا.

 

في الأزقة الضيقة، وفى بيوت فقدت المسافة والهواء والخصوصية، ينتقل الفيروس التنفسى، كما تنتقل الأخبار السيئة، بسرعة، وبلا إنذار، لا يعرفه الناس باسمه العلمى، لكنهم يعرفونه بأعراضه الثقيلة، وبالقلق الذى يرافق كل سعال وكل ارتفاع فى الحرارة، يعرفونه حين يفقد الأطفال شهيتهم، ويعجز الكبار عن الوقوف، ويتحول الليل إلى ساعات طويلة من مراقبة النفس، خشية أن ينقطع، فى غزة، يصبح المرض امتحانا للقدرة على الاحتمال قبل أن يكون اختبارا للطب.

 

يظل المرض بلا اسم ولا تشخيص كامل حتى الآن، ووسط هذا المشهد، ينهض صوت الفلسطينية بسمة أبو شهلا، لا كحالة معزولة، بل كشهادة حية على ما يعيشه آلاف الفلسطينيين، صوتها المتهدج ليس مجرد أثر لفيروس أصاب الحنجرة، بل أثر لمدينة بأكملها تصاب بالاختناق، حكايتها تكشف كيف يتحول الجسد إلى ساحة مواجهة، وكيف تتضاعف قسوة الأعراض حين تغيب سبل الوقاية، ويصبح العزل ترفا مستحيلا، والرعاية الصحية حلما بعيد المنال.

 

هنا، لا يختار الناس طريقة العلاج، بل يكتفون بالدعاء، وبمحاولات بدائية لحماية أنفسهم في بيئة صحية هشة بالكاد تصمد أمام أبسط الأمراض، لكن المأساة لا تتوقف عند حدود المعاناة الفردية، فخلف كل بيت مصاب، منظومة صحية تترنح، ومستشفيات تعمل بأقصى طاقتها وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات، وغرف عناية مكتظة بمرضى لا يعرف الأطباء على وجه اليقين طبيعة الفيروس الذى ينهش صدورهم.

 

تتضارب التشخيصات حول هذا الفيروس بين إنفلونزا شرسة، أو متحور لكورونا، أو عدوى بكتيرية مجهولة، لا لغياب الخبرة، بل لانهيار المختبرات، وغياب أدوات الفحص، وتحويل الطب من علم دقيق إلى اجتهاد قاس تحت الضغط، وفى هذا الفراغ الخطير، يصبح المرض أكثر شراسة، خاصة مع انتشار سوء التغذية، وضعف المناعة، وحرمان الأطفال من اللقاحات الأساسية، ولهذا لا يواجه الرضع هذا الفيروس بأجساد قوية، بل هشة وقلوب صغيرة لا تحتمل صراعا بهذا الحجم.

 

مع كل حالة جديدة، تتسع دائرة الخطر، ويصبح الفيروس مؤشرا مرعبا على تدهور صحى وبيئي أعمق، يتجاوز حدود العدوى ليصل إلى جوهر الحياة اليومية في قطاع محاصر، لهذا نحقق في هذا الفيروس المنتشر لا لنتحدث على الأرقام فقط، بل على الإنسان وصوته حين يتكسر، وأنفاسه حين تضيق، وخوفه حين يتحول المرض من حالة فردية إلى قدر جماعى.

 

هذا التقرير محاولة لكشف طبقات الأزمة كما هي، بلا تجميل ولا تهويل، فهو توثيق لمرض ينتشر في الظل، ولوجع يتكاثر بصمت، ولناس يجبرون على مقاومة الوباء بأجساد مرهقة وأيد فارغة، ومن شهادات المواطنين، إلى تحذيرات الأطباء، لعجز المختبرات عن تسمية الخطر، تتشكل صورة قاتمة لواقع صحي على حافة الانهيار، ففي غزة، لا يطلب الناس المعجزة، بل حقا بسيطا في التشخيص، ودواء ينقذ النفس قبل أن تنطفئ، وفرصة للحياة في مواجهة فيروس غير مرئى، لكنه حاضر بقسوة في كل بيت.

 

تجربة صعبة

تروي المواطنة الفلسطينية بسمة أبو شهلا بصوت متهدج تجربتها القاسية مع الإصابة بفيروس متحور يشبه كورونا، واصفة إياها بأنها تجربة لا تقاس فقط بحدة الأعراض، بل بثقل الواقع الذي يضاعف الألم في غزة المنهكة.

 

وتضيف: "لم يتغير صوتي من فراغ، بل من فيروس اجتاح جسدي كما يجتاح هذا القطاع المحاصر منذ أسابيع، وهو فيروس يشبه كورونا إلى حد كبير، لكن المرض هنا لا يقاس بعدد الإصابات المعلَن عنها، بل بقدرة الناس على الاحتمال والصمود في وجهه، فنحن نعيش في اكتظاظ خانق، بيوت مكتظة ومراكز إيواء لا تعرف المسافة ولا العزل، ونقص حاد فى الأدوية، وبيئة صحية هشة بالكاد تصمد أمام أبسط الأمراض".

 

وتوضح أن الأعراض مألوفة ومخيفة في آن واحد، حيث حرارة مرتفعة لا تنخفض، سعال جاف يخنق الأنفاس، إرهاق شديد يسرق القدرة على الوقوف، وآلام تسري في الجسد بلا رحمة، لكن الأصعب من كل ذلك هو العجز، حيث لا سبل للوقاية، ولا إمكانية للعزل، ولا منظومة صحية قادرة على الاستيعاب، متابعة: "أغلبنا يعتمد على رعاية منزلية بدائية، وعلى الدعاء بأن تمر الأزمة بسلام".

 

وتؤكد أن ما يحدث اليوم هو أزمة صحية صامتة، قائلة:"انتشار كورونا أو هذا الفيروس الجديد ليس حدثا عابرا، بل جرس إنذار خطير يكشف حجم التدهور الصحي والبيئي الذي نعيشه، ونحن لا نطلب المستحيل، فقط نتمنى دخول أدوية وعلاجات ومستلزمات طبية، تمنح الناس حد أدنى من الحماية، وحقهم البسيط فى العلاج والحياة".

 

قصة بسمة أبو شهلا ليست حالة فردية، بل مرآة لواقع صحي متداع، يصارع فيه المرضى الفيروس وحدهم، في ظل حصار ينهك الجسد قبل أن ينهكه المرض.

ارتفاع الإصابات 60%

وأعلنت وكالة الأونروا، خلال بيان لها في 19 يناير، تسجيل ارتفاع حاد في أعداد مرضى الجهاز التنفسي بغزة، موضحة أن الظروف الشتوية القاسية بالقطاع أدت إلى ارتفاع حاد في حالات أمراض الجهاز التنفسي.

وأوضحت الوكالة، أن الاكتظاظ الشديد وانعدام الظروف المعيشية الكريمة ساهم في زيادة الأمراض الجلدية وانتشار القمل، كاشفة أنه في إحدى النقاط الطبية التابعة للأونروا، ارتفع عدد المرضى بنسبة تقارب 60 %، متجاوزا 1700 مريض يوميا".

تسجيل وفيات ووضع صحى منهار

ويؤكد الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، تسجيل عدة حالات وفاة جراء انتشار واسع لفيروس تنفسي وصفه بالخطير يسبب أعراضا شديدة، مشيرا إلى أن الوضع الصحي بالقطاع هو الأسوأ منذ بدء الحرب والمنظومة الصحية على وشك الانهيار الكامل.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الفيروس التنفسى هو عبارة عن انفلونزا أو من متحوراتها قد يكون أقرب إلى متحور كورونا ويشكل خطرا على الأطفال وكبار السن المرضى من ذوي الأمراض المزمنة بسبب نقص المناعة عند أهالي القطاع نتيجة المجاعة وسوء التغذية وعدم تلقيهم اللقاحات اللازمة.

 

وأوضح أن القطاع يواجه نقصا حادا في الأدوية والمستلزمات الطبية وسط عجز كامل بأدوية السرطان وغسيل الكلى والأمراض المزمنة، مشيرا إلى أن هناك زيادة كبيرة من مرضى هذا الفيروس تأني إلى أقسام الطوارئ، وبعض الحالات تأتى فى وضع صعب نتيجة مضاعفات بالاتهاب الرئوي ويدخلون العناية المكثفة على أجهزة التنفس الاصطناعي لحاجتهم إلى الأكسجين.

 

وبحسب الفئات التى توفت بسبب هذا المرض، يشير مدير مجمع الشفاء الطبى، أن المستشفى سجلت حالات وفاة من جميع الأعمار سواء الأطفال أو الشباب أو كبار السن نتيجة مضاعفات هذا الفيروس.

 

كما يؤكد محمد أبو سلمية، أنه لا يوجد علاج لهذا الفيروس حتى الآن داخل القطاع، كما أن الأدوية في غزة هي في أسوأ حالتها من النقص الشديد بسبب منع الاحتلال دخول الأدوية.

 

وحذرت وزارة الصحة بغزة في 20 يناير، من خطورة النقص الحاد فى الأدوية والمستلزمات الطبية، مؤكدة نفاد كامل فى أدوية السرطان، ومستلزمات غسيل الكلى، وعلاجات الأمراض المزمنة.

متحور كورونا يضرب غزة
متحور كورونا يضرب غزة

انهيار الوضع الإنسانى وخروقات إسرائيل

حالة الانهيار فى الوضع الصحى والإنساني داخل القطاع كشف عنه المكتب الإعلامي الحكومى بالقطاع في 20 يناير، والذي تضمن خروقات إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار وتضمن 1,300 مرة خلفت 1,820 شهيدا وجريحا ومعتقلا، مما يشكل انتهاكا صريحا للقانون الدولي الإنساني، وتقويضا متعمدا لجوهر وقف إطلاق النار ولبنود البروتوكول الإنساني الملحق به.

مقارنة بين الشاحنات المفترض دخولها لغزة والشاحنات التي دخلت بالفعل
مقارنة بين الشاحنات المفترض دخولها لغزة والشاحنات التي دخلت بالفعل

وأشار بيان المكتب الإعلامي الحكومي، إلى أن الاحتلال سمح فقط بمرور 25,816 شاحنات المساعدات والتجارية والوقود، من أصل 60,000 شاحنة مساعدات وتجارية ووقود، بنسبة التزام 43%، تضمن 15,163 شاحنة مساعدات 59%، و10,004 شاحنة تجارية 39%، و649 شاحنة وقود 2.5%، من أصل 5,000 شاحنة وقود يفترض دخولها، بنسبة التزام 13%، و261 المتوسط اليومي لعدد الشاحنات، من أصل 600 شاحنة يفترض دخولها يوميا.

وأوضح أن هناك 600 شاحنة من المساعدات والتجارية والوقود يفترض دخولها يوميا إلى غزة، و50 شاحنة وقود "سولار، بنزين، غاز طهي" يفترض دخولها يوميا، فيما لم يلتزم الاحتلال بإدخال الأعداد المفترضة من الشاحنات المختلفة، ولم يلتزم بخطوط الانسحاب، وكذلك لم يلتزم بإدخال المواد اللازمة لصيانة البنية التحتية.

وأشار إلى أن الاحتلال لم يلتزم بإدخال المعدات الثقيلة للدفاع المدني لإزالة الأنقاض وانتشال جثامين الشهداء ، وكذلك لم يلتزم بإدخال المعدات والمستلزمات الصحية والطبية والأدوية، بجانب عدم التزامه بإدخال الخيام والبيوت المتنقلة ومواد الإيواء، أو تشغيل محطة توليد الكهرباء، أو بحدود الخط الأصفر بل قضم المزيد من الكيلومترات على مستوى القطاع.

عدد الشاحنات التي سمح الاحتلال بدخولها منذ بداية وقف إطلاق النار في غزة
عدد الشاحنات التي سمح الاحتلال بدخولها منذ بداية وقف إطلاق النار في غزة

بكتيريا وليس متحور لكورونا

وفي رواية أخرى، يكشفها مدير مستشفى الرنتيسي للأطفال، جميل سليمان - الذي يكشف حقيقة هذا المرض التنفسي ويستبعد أن يكون متحور لكورونا - حيث أكد أن غزة تشهد انتشارا مقلقا لعدوى بكتيرية مجهولة تسببت بإصابات ووفيات، خاصة بين الأطفال، معلنا أن المستشفى تستقبل يوميا ما بين 250 إلى 450 طفلا يعانون من التهابات حادة في الجهاز التنفسي.

وأضاف أن العدوى ليست ناتجة عن متحور جديد من فيروس كورونا، بل عن بكتيريا سريعة الانتشار، ونقص التحاليل المخبرية يمنعنا من تحديد نوع العدوى بدقة، موضحا أن هناك وفيات بين الأطفال بسبب تطور الأعراض بسرعة وضعف المناعة وسوء التغذية.

وأشار إلى أن كثير من الأطفال يصلون بحالات خطيرة تستدعي الإدخال إلى أقسام العناية المكثفة التي تعمل بطاقتها القصوى وسط إمكانات محدودة وضغط هائل.

حديث مدير مستشفى الرنتيسي للأطفال، تطرق إلى معاناة الأطفال من سوء التغذية مما يساهم في انتشار هذا الفيروس، وفي 4 يناير أكدت وزارة الصحة بالقطاع، رصد إصابات جديدة بسوء التغذية بين الأطفال خاصة في مدينة غزة، مشيرة إلى أن آلاف الأطفال يولدون بأوزان غير طبيعية نتيجة الجفاف.

فيروس وليس بكتيريا وما زال مجهولا

بينما على الجانب الأخر، يؤكد الدكتور أحمد الربيعي، مدير قسم الأطفال بمجمع الشفاء الطبي، أن هذا المرض الشرس ليس عدوى بكتيريا بل فيروس تنفسي، محذرا من خطورته وانتشاره على نطاق واسع في القطاع ، خاصة أن طبيعة هذا المرض ما زالت غير واضحة بشكل كامل، في ظل انهيار المنظومة الصحية بفعل الحصار والعدوان.

ويشرح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن أعراض هذا الفيروس تتشابه إلى حد كبير مع أعراض فيروس كورونا، من حيث السعال الشديد، وضيق التنفس، وارتفاع درجات الحرارة، والإرهاق العام، إلا أن المفارقة تكمن في أن جميع الفحوصات الخاصة بكورونا جاءت سلبية، مشيرا إلى أن المريض ليس مصابا بعدوى بكتيرية، وإنما بفيروس تنفسي، ما يجعل التشخيص والعلاج أكثر تعقيدا في ظل شح الإمكانات.

ويشير مدير قسم الأطفال إلى أن هذا الفيروس يعد أكثر خطورة على فئات محددة، خاصة مرضى ضعف المناعة، سواء الناتج عن أمراض مزمنة أو أمراض مناعية، موضحا أن عددا كبيرا من سكان القطاع أُصيب بهذه العدوى خلال فترة قصيرة، الأمر الذي أدى إلى دخول أعداد متزايدة من المرضى إلى المستشفيات.

ويضيف أن بعض الحالات تطورت إلى التهابات حادة في الرئتين، ما أسفر عن تسجيل حالات وفاة، مؤكدا في الوقت ذاته أن أعداد الوفيات لا تزال أقل مقارنة بذروة انتشار فيروس كورونا، لكنها تظل مقلقة في ظل غياب العلاج النوعي والرعاية الصحية الكافية.

"بحسب التقديرات الطبية المتوفرة، فإن الغالبية العظمى من هذه الإصابات يرجح أن تكون ناتجة عن متحور من فيروسات الإنفلونزا، إلا أن عدم توفر فحوصات تشخيص دقيقة يحول دون الجزم بذلك"، وفقا لتأكيدات الدكتور أحمد الربيعي، متابعا :" للأسف، لا نملك أدوات التشخيص اللازمة، لذلك لا يزال المرض مجهول الهوية بشكل كامل".

وعن أسباب الانتشار الواسع وشدة الأعراض، يلفت إلى أن سكان غزة يعانون أساسا من ضعف في المناعة نتيجة سوء التغذية، وتلوث المياه، والضغوط النفسية المستمرة، إضافة إلى التكدس السكاني الكبير الناتج عن النزوح الجماعي ودمار المنازل، وهي عوامل ساهمت بشكل مباشر في سرعة انتشار الفيروس وزيادة حدته.

أما عن بروتوكولات العلاج، فيوضح أن الطواقم الطبية تركز حاليا على علاج الأعراض التنفسية، خاصة أن كثيرا من الحالات تترافق مع عدوى بكتيرية ثانوية، وفي بعض الحالات الصعبة يتم وصف دواء Tamiflu كمضاد لفيروسات الإنفلونزا، مشيرا إلى أن معظم الإصابات تتحسن خلال عدة أيام، رغم استمرار تسجيل حالات وفاة متفرقة.

ويختتم الدكتور أحمد الربيعي حديثه بالتأكيد على أن ما يواجهه القطاع ليس مجرد أزمة صحية عابرة، بل كارثة إنسانية مركبة، حيث يضرب المرض أجسادا منهكة، في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الوقاية والعلاج، ما يستدعي تدخلا عاجلا لتوفير الفحوصات والأدوية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

سوء التغذية

وأعلنت منظمة اليونيسف خلال بيان لها، أن آلاف الأطفال دخلوا مستشفيات غزة لتلقي العلاج من سوء التغذية الحاد منذ وقف إطلاق النار، مضيفة خلال بيان لها، في 10 ديسمبر أن  9300 طفل تلقوا العلاج من سوء التغذية الحاد في نوفمبر.

وأضافت أن النساء اللواتي يعانين من سوء تغذية أنجبن أطفالا خدجا أو منخفضي الوزن يموتون في غرف العناية الفائقة، أو يعيشون ويعانون من سوء تغذية أو مضاعفات صحية، معلنة عن استقبال 8300 امرأة من الحوامل والمرضعات لتلقي العلاج من سوء التغذية الحاد، أي نحو 270 يوميا.

الفيروس يضرب عائلة نجوى

في شمال القطاع، وتحديدا في مدينة جباليا، تحكي المواطنة الفلسطينية "نجوى محمد" فصلا جديدا من فصول المعاناة الصامتة التي تعيشها العائلات مع انتشار هذا الفيروس، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، وغياب الحد الأدنى من مقومات العلاج والرعاية.

وتقول نجوى لـ"اليوم السابع"، إن الفيروس لم يطرق باب بيتهم، بل اقتحمه دفعة واحدة، ليستقر بين جدرانه لأكثر من أسبوعين كاملين، فكانا أسبوعان ثقيلان مرا كأنهما عامان، عاشت فيهما الأسرة على إيقاع السعال المتواصل، وارتفاع درجات الحرارة، والإرهاق الذي أنهك الأجساد دون رحمة.

في بيت مكتظ، لا تتوافر فيه شروط العزل ولا أدوات الوقاية، تحول المرض إلى ضيف قاس يتنقل من فرد إلى آخر، فيما لم يكن أمام العائلة سوى الصبر والرعاية المنزلية البسيطة، وبعض المسكنات إن وجدت.

وتضيف نجوى بصوت يختلط فيه التعب بالقلق: "دخل المرض بيتنا أسبوعين كاملين، وبينما كنا نلتقط أنفاسنا في الأيام الأخيرة من التعافي، جاءت الضربة الأثقل، فوالدي أُصيب بورم على الكبد"، بالنسبة لها لم يكن الخبر مجرد تشخيص طبي، بل صدمة جديدة في سلسلة صدمات لا تنتهي، خاصة في ظل غياب الفحوصات الدقيقة، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات، ونقص الإمكانيات اللازمة لمتابعة حالة خطيرة كهذه.

وتحاول المواطنة الفلسطينية أن تفهم أسباب اجتياح الفيروس التنفسي الغامض لبيتها، لا بوصفها خبيرة صحية، بل كأم عاشت تفاصيل المرض يوما بيوم، ورأت كيف تتكاثر العدوى حين تجتمع الظروف القاسية مع غياب أبسط مقومات الحياة.

وتقول نجوى محمد إن البرد الشديد كان أول ما فتح الباب أمام المرض، "نعيش شتاءً قاسيا داخل بيوت لا تقي من الهواء ولا الرطوبة، ومع ضعف أجسادنا وقلة المناعة، أصبح البرد نفسه عاملا مساعدا لانتشار الفيروس، لكن البرد، لم يكن السبب الوحيد، فالماء – أساس النظافة والوقاية – بات معضلة يومية تثقل حياة العائلة".

وتضيف: "لا توجد لدينا مياه نظيفة بشكل منتظم، نضطر لاستخراج المياه من باطن الأرض بصعوبة شديدة، ثم نقلها في الجرادل من مكان إلى آخر، وهذا الجهد اليومي لا يوفر ماء صالحا للشرب أو للنظافة الكافية، بل مجرد وسيلة للبقاء، وفي ظل هذا الواقع، تتحول أبسط إجراءات الوقاية إلى مهمة شبه مستحيلة.

أما مياه الشرب، فتصل – بحسب نجوى – عبر سيارات تبرعات محدودة، وما إن تدخل الحي حتى يبدأ سباق الناس نحوها، متابعة :" يتسارع الجميع للحصول على الماء في أوان بلاستيكية وجرادل مستعملة، دون تعقيم أو أدوات تحفظ سلامة المياه، فقط خوفا من العطش"، هذا المشهد اليومي، كما تصفه، لا يعكس أزمة عطش فقط، بل بيئة مثالية لانتقال الأمراض.

وتشير إلى أن غياب مواد التنظيف الفاعلة فاقم من الأزمة، حيث تقول: "لا تتوافر لدينا مطهرات حقيقية ولا مواد تنظيف كافية، وحتى إن وجدت فهي قليلة ولا تكفي لعائلة واحدة، فكيف بحيّ كامل، ومع الاكتظاظ داخل البيوت، وعدم القدرة على غسل الأيدي والملابس بشكل منتظم، يصبح انتشار الفيروس أمرا متوقعا لا مفاجئا"

وتختم نجوى حديثها بالتأكيد على أن ما أصاب عائلتها لم يكن قضاء وقدرا فقط، بل نتيجة مباشرة لظروف معيشية وصحية منهكة، مضيفة: "المرض هنا لا ينتشر لأنه قوي فقط، بل لأننا نعيش في بيئة لا تملك وسائل الدفاع عنه، ونحن لا نطلب المستحيل، نريد ماء نظيف، ودفئ، ومواد تنظيف، حتى نستطيع حماية أطفالنا من فيروس لا نعرف اسمه، لكننا نعرف وجعه جيدا".

قصة عائلة نجوى محمد ليست استثناء، بل نموذجا لواقع يعيشه آلاف الفلسطينيين في غزة، حيث يتحول الفيروس التنفسي إلى اختبار قاس لقدرة العائلات على الصمود، وتصبح النجاة نفسها معركة يومية في مواجهة المرض، والفقر، وانهيار الرعاية الصحية.

الإصابات الكثيرة بهذا الفيروس يأتي في ظل الانهيار الكبير في المستشفيات داخل القطاع، ففي 20 ديسمبر الماضي، أعلنت مستشفى الكويت التخصصي في خان يونس، وقف جميع العمليات الجراحية بسبب العجز الحاد في المستلزمات الطبية، محذرة من خروج المستشفى عن الخدمة بشكل كامل ما يهدد حياة المرضى والجرحى.

مياه الشرب وانتشار الأمراض بغزة

خلال حديث نجوى محمد، أكدت أن مياه الشرب وعدم تعقيمها وعدم نظافتها سبب كبير في انتشار هذا الفيروس، وهو ما أشار له الدكتور منير البرش مدير عام وزارة الصحة بغزة خلال تغريدة له عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، والذي نشر فيه مختبر الصحة العامة الخاص بالوضع الصحي للمياه في القطاع، حيث تم فحص 2412 عينة مياه خلال عام 2025، وكانت النتائج 57.1% من العينات غير آمنة للشرب.

تغريدة الدكتور منير البرش
تغريدة الدكتور منير البرش

وأضاف أن أكثر من نصف مصادر المياه غير مطابقة للمواصفات الصحية، وتسجيل 21.6% تلوث ميكروبي، ووجود القولونيات البرازية، والإشريكية القولونية  (E. coli)، و36.2% تلوث كيميائي، وارتفاع كبير في الأملاح الذائبة، وغياب ملحوظ للكلور المطهر.

كما كشف عن التوزيع الجغرافي للعينات غير الآمنة، وتضمن شمال غزة: 20.0%، ومدينة غزة: 62.6% "الأعلى خطورة"، والوسطى: 59.4%، وخان يونس: 51.5%، ورفح: لا تتوفر بيانات مكتملة، لافتا إلى إجراء 85 فحصا كيميائيا على عينات المياه، كشف أن 92% من الفحوصات مطابقة للمواصفات القياسية.

التوزيع الجغرافي للعينات غير الآمنة للمياه في غزة
التوزيع الجغرافي للعينات غير الآمنة للمياه في غزة

وأشار إلى استمرار مراقبة الجودة رغم ظروف الطوارئ والانهيار الخدمي، موضحا أن المياه غير آمنة تهدد بشكل خاص المستشفيات، ومراكز الإيواء، والأطفال والحوامل وكبار السن، وتجعل المواطن يعاني من الإسهالات الحادة، والتهاب الكبد الوبائي  (A)، الأمراض المنقولة عبر المياه.

وأكد أن هذه النتائج لا يمكن تفسيرها على أنها خلل فني أو أزمة خدمات مؤقتة، بل تمثل نمطا ممنهجا من الإبادة البطيئة يستهدف أحد أخطر مقومات الحياة وهو الماء، متابعا :"حين تصبح أكثر من نصف مصادر المياه غير صالحة للشرب، ويحرم مجتمع كامل من الحد الأدنى من شروط السلامة الصحية، فإننا لا نكون أمام كارثة طبيعية، بل أمام سياسة مقصودة لتدمير مقومات البقاء".

وأوضح أن تلويث المياه، وتعطيل محطات المعالجة، ومنع مواد التطهير، لا يؤدي فقط إلى المرض، بل ينتج موتا تدريجيا، ويضرب الفئات الأضعف أولا وهم الأطفال، والحوامل، والمرضى، ويحول العطش والمرض إلى أدوات قتل صامت.

نتائج مختبر الصحة العامة الفلسطينية
نتائج مختبر الصحة العامة الفلسطينية

وكشفت بلدية غزة، في 17 يناير عن سبب أزمة نقص المياه الحالية في مناطق واسعة من المدينة، موضحة أن ذلك يعود إلى كسر في خط مياه "ميكروت" شرق المدينة، جراء قصف الاحتلال، مما أثر على عدة مناطق أبرزها منطقة الزيتون، ومنطقة الشجاعية، وساحة الشوا، وشارع يافا، والبلدة القديمة، ومنطقة تل الهوى، وأجزاء من منطقة الصبرة، إضافة إلى المناطق الغربية من المدينة.

الوباء يدخل بدون استئذان

وفي شهادة إنسانية موجعة، يروي الفلسطيني أبو عبد الله معاناته مع إصابة أطفاله بمتحور من فيروس كورونا، في وقت بات فيه المرض أوسع انتشارا من قدرة العائلات على الاحتمال، وأقسى من إمكانيات المنظومة الصحية المنهارة في غزة.

شهادة مواطن فلسطيني يكشف إصابة اولاده بمتحور كورونا
شهادة مواطن فلسطيني يكشف إصابة اولاده بمتحور كورونا

يقول إن الوباء لم يعد حالة فردية أو استثناء، بل أصبح مشهدا يوميا يتكرر في البيوت والشوارع ومراكز الإيواء، متابعا :"الوباء منتشر في القطاع بشكل كبير، وخاصة متحور كورونا، نشعر أنه في كل مكان، يدخل البيوت بلا استئذان، ويصيب الأطفال قبل الكبار".

يتحدث  أبو عبد الله عن أبنائه الذين أنهكهم المرض وتركهم يصارعون الحمى والسعال والإرهاق دون سند طبي حقيقي، قائلا بأسى: "أطفالي مصابون، ولا يوجد دواء في غزة، هذه هي الحقيقة المؤلمة، نبحث عن علاج فلا نجد".

بالنسبة لأب يرى أطفاله يتألمون أمام عينيه، لا يصبح نقص الدواء أزمة صحية فحسب، بل كسرا قاسيا لمعنى الأمان، وعجزا مضاعفا عن أداء أبسط حقوق الأبوة وهو حماية أطفاله من المرض.

تطورات الفيروس وامتلاء غرف العناية المركزة

من جانبه، يؤكد الدكتور أحمد الفرا مدير قسم الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، أن هذا الفيروس في الأغلب هو متحور من الإنفلونزا وهو مرض قوي وشرس، ويزداد خطورته مع منع الاحتلال دخول ما يلزم لتشخيص هذا الفيروس لمعرفة ماهيته ونوعه، مؤكدا أن غرف العناية المركزة في جميع أنحاء القطاع مملوئة بمرضى هذا الفيروس.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن أغلب أعراض الفيروس تتمثل في آلام في الحلق، آلام معممة في الجسم، وسعال في بدايته جاف يتزامن مع ارتفاع شديد في درجات الحرارة، وعسر في جهاز التنفس وصعوبة في التنفس، وهو ما يزيد من معاناة المريض بهذا الفيروس نظرا لعدم وجود الكهرباء وعدم توفر أجهزة التبخير خارج المستشفيات، وبالتالي يزيد العبء على المستشفيات ودخول المستشفيات، موضحا أن الأعراض قد تتطور ليصاحبها الاستفراغ والإسهال، ويسيطر الفيروس على الرئتين ليصل المريض إلى قصور تنفسي شديد يحتاج على إثره إلى وضعه على جهاز التنفس الصناعي.

أعراض متحور كورونا في غزة
أعراض متحور كورونا في غزة

ويشير إلى أن الاحتلال منع دخول تطعيم الإنفلونزا الخاص بفيروس الإنفلونزا السنوي الذي كان يدخل بالعادة على غزة قبل فترة الحرب، مؤكدا أن دخول هذا الفيروس في ظل أجواء قارسة من البرد، يؤثر على جهاز المناعة لدى السكان.

ويتابع :" لا يزال هناك بعض حالات سوء التغذية، وحالات فقر الدم، ولا تزال ونقص المناعة مما يزيد من خطورة هذا الفيروس خاصة مع الأطفال، في ظل أن هناك أدوية مفقودة لمكافحة هذا الفيروس مثل دواء "تاميفلو" أو "أوسلتاميفير" ، لافتا إلى أن أكثر الفئات عرضة لهذا المرض هم الرضع وأطفال الخدج.

تطعيمات ولقاحات لأطفال غزة

من أبرز أسباب انتشار إصابات الأطفال خاصة الرضع بهذا الفيروس هو عدم حصولهم على التطعيمات، إلا أن بارقة أمل بدأت تظهر خلال الأيام الماضية بعدما أعلنت وزارة الصحة في غزة، في 18 يناير، استئناف حملة التطعيم الاستدراكية لتعزيز البرنامج الوطني لتطعيم الأطفال دون سن الثالثة، ابتداء من 18 يناير ولمدة عشرة أيام.

وقالت الوزارة، خلال بيان لها إن الحملة تنفذ بالشراكة مع وكالة الأونروا وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وبدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) ومنظمة الصحة العالمية، في إطار الجهود الرامية إلى حماية الأطفال من الأمراض الوبائية.

وأشارت إلى أن الحملة تنفذ عبر نحو 130 مركزا صحيا تابعا لوزارة الصحة والأونروا والهلال الأحمر الفلسطيني، إلى جانب مؤسسات أهلية ودولية عاملة في مختلف محافظات غزة.

ودعت  المواطنين إلى التعاون مع الفرق الصحية، واصطحاب أطفالهم لاستكمال الجرعات التطعيمية التي فاتتهم، مع إحضار بطاقة التطعيم – إن وجدت – لضمان توثيق الجرعات بشكل دقيق.

ولفتت إلى أن التطعيم يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الأوبئة والأمراض التي تهدد حياة الأطفال، خاصة أولئك الذين حرموا من الحصول على اللقاحات الأساسية في مواعيدها.

فيما أعلن المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني، أنه  خلال ما يزيد على عامين من الحرب في غزة، حرم الأطفال مرارا وتكرارا من اللقاحات الضرورية، مضيفا خلال بيان للوكالة الأممية في 20 يناير أن الشتاء القاسي يحكم قبضته على القطاع، بما يرافق ذلك من البرد الشديد والأمطار الغزيرة والفيضانات.

وأضاف أن الوكالة تواصل العمل على إنقاذ الأرواح في القطاع، بجانب البدء في الجولة الثانية من حملة تطعيم استدراكية الأطفال دون سن الثالثة.

من جانبها أعلنت منظمة اليونيسف في 13 ديسمبر، احتياجها بشكل ملح لإدخال المزيد من المساعدات لغزة وحشد الدعم لتنفيذ هذا الأمر، معربة عن قلقها إزاء انتشار المزيد من الأمراض وسط أطفال القطاع، وهو ما يتطلب تكثيف إدخال الشاحنات لا سيما التي تحتوى على الملابس والخيام.

مريض يفشل في الذهاب للمستشفى وعلاج بلا جدوى

في أحد أحياء غزة المثقلة بالحصار والإنهاك، يخوض الفلسطيني وائل إبراهيم – المصاب بفشل كلوى وأحد أصحاب الأمراض المزمنة - معركة صامتة مع هذا الفيروس، الذي لا يقل قسوة عن واقع صحي منهار منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، بدأت معاناته مع أعراض يصفها بأنها صعبة للغاية، إذ لم يعد المرض مجرد وعكة عابرة، بل تحول إلى عبء يومي ينهش الجسد ويثقل الروح.

يقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن السعال العنيف والكحة المستمرة المصحوبة بالبلغم وارتفاع درجة الحرارة لم تفارقه منذ إصابته، مضيفا: "أشعر أحيانا بالاختناق، والسعال لا يتوقف، ليلا ولا نهارا"، ومع غياب الخيارات، حاول وائل طرق كل الأبواب الممكنة بحثا عن علاج، وبالفعل تناول عدة أدوية دون جدوى، ثم لجأ إلى الأعشاب كملاذ أخير، لكن حالته لم تتحسن.

ولا تقف معاناة وائل عند حدود جسده المتعب، بل تمتد لتجسد مأساة جماعية يعيشها سكان القطاع، خاصة أن القيروس -  بحسب وصفه - منتشر في كل المدن، ولم يعد يفرق بين كبير أو صغير، حيث يشير بمرارة إلى أنه لم يستطع الذهاب إلى أي مستشفى أو مركز صحى لأن غزة تفتقر إلى مستشفيات قادرة على استقبال المرضى أو مراكز صحية مؤهلة للعلاج، بجانب وجود نقص حاد في الإمكانات الطبية والأدوية، ما يجعل الإصابة بالفيروس أشبه بحكم قاس قد ينتهي بالموت.

استخدام بروتوكولات كورونا لمواجهة المرض

من جانبها توضح الصيدلانية الفلسطينية سهى شعث، أن المرض يحمل سمات مقلقة، ويعيد إلى الأذهان مشاهد الموجات الأولى من جائحة كورونا، سواء من حيث الأعراض أو سرعة الانتشار.


وتقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن المعطيات المتوفرة حتى الآن، ووفقا لبيانات وزارة الصحة الفلسطينية، تشير إلى أن هذا الفيروس شبيه إلى حد كبير بفيروس كورونا، إذ تتطابق أعراضه بشكل واضح مع الأعراض المعروفة لكوفيد-19، رغم أن الفحوصات المخبرية الخاصة بكورونا تأتي في كثير من الحالات سلبية.


وتضيف أن أقسام المستشفيات، وما تبقى منها يعمل بقدرات محدودة، تشهد أعدادا كبيرة من المرضى الذين يعانون أعراضا متشابهة، وما يلفت الانتباه ليس فقط عدد الإصابات، بل شدة الأعراض لدى بعض المرضى، خاصة كبار السن والأطفال، في ظل نقص حاد في الإمكانات الطبية.


وحول آليات التعامل الدوائي مع هذه الحالات، تشير الصيدلانية الفلسطينية إلى أن الطواقم الطبية والصيدلانية تعمل في ظروف استثنائية، متابعة: "بالنسبة للعلاج، نحن نضطر إلى استخدام بروتوكولات علاجية شبيهة بتلك التي كانت تُستخدم لعلاج مرضى كورونا، وذلك حسب الأدوية المتوفرة لدينا، وليس حسب ما هو مطلوب طبيا، خاصة أن نقص الأدوية والمستلزمات الأساسية يفرض خيارات محدودة، ويجعل العلاج في كثير من الأحيان محاولة لتخفيف الأعراض أكثر من كونه علاجا جذريا".


وتوضح أن استمرار انتشار الفيروس في ظل هذا الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية ينذر بمضاعفات خطيرة، مشددة على أن الوضع الصحي في غزة لم يعد يحتمل مزيدا من الضغط، والمرض لا يواجه بالدواء فقط، بل بصمود الطواقم الطبية ومحاولتها إنقاذ ما يمكن إنقاذه وسط حصار وإمكانات شحيحة.

إرشادات طبية لمواجهة الفيروس

وفي إفادة إنسانية من قلب الميدان، يوضح الشوا عبيد، الموظف بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في غزة، ملامح الانتشار الواسع للفيروس، قائلا إن هذا المتحور يتميز بحدة أعراضه وسرعة انتشاره بين المواطنين، والبيئة الحالية في غزة وفرت له ظروفا مثالية للتفشي.

 

وفي ظل النقص الحاد في الأدوية، يقدم مجموعة من الإرشادات الوقائية والعلاجية البسيطة التي يمكن للعائلات الالتزام بها قدر الإمكان، بقوله: "ننصح بتناول الزنك، وفيتامين سي، واستخدام أكامول لخفض الحرارة، إلى جانب الإكثار من المشروبات الساخنة، فهذه الوسائل قد تساعد في تخفيف الأعراض ودعم المناعة، لكنها لا تغني عن المتابعة الطبية عند الحاجة".

 

ويضيف أن الطواقم الميدانية التابعة للهلال الأحمر تلاحظ يوميا ازدياد أعداد المصابين، خاصة بين الأطفال وكبار السن، حيث تظهر الأعراض بشكل واضح وقاس، قائلا :"الأعراض التي نرصدها تشمل سخونة شديدة، واستفراغ، وإسهال، ووجع في المفاصل مع وهن عام في الجسد، إلى جانب سيلان الأنف وضيق في التنفس، وهي أعراض تستدعي القلق ولا يجب الاستهانة بها".

 

ويشدد الشوا عبيد على أهمية مراجعة الطبيب فور تفاقم الأعراض، خاصة في حالات ضيق التنفس وارتفاع الحرارة المستمر، متابعا: "رغم صعوبة الوصول إلى المرافق الصحية، إلا أن مراجعة الطبيب تظل ضرورية، لأن بعض الحالات قد تتطور بشكل سريع وخطير".

 

عدم القدرة على تشخيص الفيروس

خلال السطور الماضية، وجدنا تشخيص مختلف من جانب أطباء غزة حول هذا الفيروس التنفسي الغامض المنتشر داخل القطاع بين من يؤكد أنه متحور كورونا أو عدوى بكتيرية، حيث يأتي هذا بسبب صعوبة تشخيص هذا المرض نتيجة الانهيار الكبير في الوحدات المختبرية بوزارة الصحة.

وفي هذا السياق تكشف الدكتورة سحر غانم، مدير دائرة المختبرات وبنوك الدم في وحدة المختبرات بوزارة الصحة في غزة، عن واحدة من أخطر زوايا الأزمة الصحية المتفاقمة داخل القطاع، وهي العجز عن تشخيص الفيروس التنفسي الخطير الذي يضرب السكان في صمت، دون اسم واضح أو خريطة علمية دقيقة لمواجهته.

 

وتقول لـ"اليوم السابع"، إن المشهد داخل المختبرات لا يقل قسوة عن المشهد داخل غرف المرضى، خاصة أن الفيروس المنتشر حاليا ما زال مجهول الهوية من الناحية المخبرية، متابعة :"حتى هذه اللحظة، لم نتمكن من إجراء الفحوصات اللازمة لتحديد نوع الفيروس بدقة، وهذا الغموض لا يعود إلى الإهمال، بل إلى واقع قاس فرضه نقص الإمكانيات وانهيار البنية التحتية الصحية".

 

وتوضح أن الوحدات المختبرية تعمل في ظروف استثنائية، تفتقر إلى أجهزة التشخيص المتقدمة، والكواشف المخبرية، ومواد الفحص الأساسية، في وقت يتزايد فيه عدد الحالات التي تعاني أعراضا تنفسية حادة تشبه إلى حد كبير فيروسات كورونا أو سلالاتها المتحورة.

 

"نقص الإمكانيات داخل المختبرات هو السبب الرئيسي في عدم قدرتنا على تشخيص هذا الفيروس، نحن نحاول بكل ما نملك، لكن التحديات أكبر من قدراتنا الحالية"، حيث تضيف سحر غانم، مشيرة إلى أن غياب التشخيص الدقيق لا يعرقل فقط مسار العلاج، بل يضع الطواقم الطبية أمام حالة من العمى الصحي، ويتم التعامل مع المرضى وفق بروتوكولات عامة، دون معرفة طبيعة الفيروس أو درجة خطورته أو سرعة انتشاره، وهذا الواقع يضاعف المخاطر، ويجعل السيطرة على التفشي مهمة شبه مستحيلة.

 

تصريحات الدكتورة سحر غانم تشير إلى أن ما يجري ليس أزمة فنية عابرة، بل إنذار حقيقي لانهيار منظومة التشخيص في غزة، خاصة أن المختبرات تحتاج بشكل عاجل إلى دعم حقيقي، يشمل الأجهزة والمواد المخبرية والتقنيات الحديثة، حتى لا يبقى الفيروس بلا اسم، والمرض بلا تشخيص، والإنسان وحده في مواجهة خطر غير مرئي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة