في ممرات "اليوم السابع" العريقة، حيث لا تهدأ أصوات الأقلام ولا تتوقف ركضة المتاعب، ثمة مقعد شاغر اليوم يفتقد صاحبه بشدة، وثمة ضحكة كانت تمنحنا الأمان غابت لتترك خلفها غصة في حلوق الزملاء.
نحن اليوم أمام قصة إنسانية بطلها ليس مجرد اسم صحفي على ترويسة خبر، بل هو "محمود نصر"، ذلك النبيل الذي حمل بين ضلوعه سمار النيل وطمي قنا "الجواني"، وجاءنا قبل خمسة عشر عاماً، يخطو خطواته الأولى في "اليوم السابع" بقلب يسبق قدميه من فرط الشغف، وروح تأبى إلا أن تحلق في سماء التميز.
أتذكره جيداً حين أتى من أقصى الصعيد، شاباً غريراً يمتلئ أدباً وعزة، انخرط في "مطبخ" قسم الحوادث، فكان كالشعلة التي لا تنطفئ، لا يكل ولا يمل، يطارد الانفرادات بوعي المحترف وأخلاق الفرسان.

مرت السنوات، وكبر محمود أمام أعيننا، وتحول المتدرب الدؤوب إلى زميل نعتز بوجوده، يقاسمنا "لقمة العيش" ومتاعب المهنة بابتسامة رقيقة لا تفارق وجهه الأسمر، الذي حفرت فيه شمس الجنوب ملامح الجدعنة والرجولة واللين في آن واحد.
وفي غمرة الكفاح، ساق القدر لمحمود نسخة طبق الأصل من نقائه، وهي الزميلة والابنة العزيزة "أسماء شلبي"، ابنة سوهاج التي جاءت بمداد الوجع والطموح ذاته.
في قسم الحوادث، لم يجمعهما الحبر فقط، بل جمعهما "الود" الذي توج برباط مقدس، ليصيغا معاً أجمل قصة حب صعيدية في بلاط صاحبة الجلالة.
أثمر هذا النقاء عن عصفورهم الصغير "آدم"، الذي صار أيقونة القسم، يركض بين المكاتب، ويمسح ببراءته تعب السنين عن وجه أبيه وأمه، وكأنه يجدد فيهما الأمل كلما ضاقت الدنيا بضجيج الأخبار.
لكن القدر، بلمح البصر، قرر أن يضع هذا الجسد النحيل في اختبار مرير.
محمود الذي كان يكتب عن آلام الآخرين بدموعه، بات هو الألم الذي يسكننا جميعاً، فجأة، ومن عملية جراحية إلى أخرى، استقر به الحال في ردهات "العناية المركزة"، محاطاً بالأجهزة وصمت القلوب التي تخفق له بالرجاء.
محمود الآن يرقد بين يدي خالقه، ينتظر الشفاء ودعوات المحبين التي تخرق السماوات.
ونحن على أعتاب شهر رمضان المبارك، تشتد الغصة في قلوبنا؛ فكيف تخلو مائدة الإفطار من ضحكته؟ وكيف يستقيم صف صلاة التراويح دون قامته السمراء؟ إننا نناشد كل قلب عرف محمود، وكل عين قرأت له، ألا تبخلوا عليه بالدعاء في هذه الأيام المباركة.
يا رب، أعد محمود لـ "آدم" الذي ينتظر باب بيته أن يفتح، وأعده لـ "أسماء" التي باتت وحيدة في مواجهة صمت المستشفيات.
يا رب، غيّر قدره بدعائنا، واجعل رمضان هذا العام هو "نصر" محمود على مرضه، وعودته سالماً غانماً إلى محرابه وعمله ومحبيه.