أحمد إبراهيم الشريف

لا أرى الأشياء كما هى

السبت، 07 فبراير 2026 11:17 ص


يأتى ديوان أحمد عايد "لا أرى الأشياء كما هي" الصادر عن دار صفصافة بوصفه تجربة تقرأ من داخل رؤيتها المركزية لا من خارجها، وأنا، فى الأصل، يشغلنى دائمًا مفهوم الفن.

في ديوان "لا أرى الأشياء كما هي"  نجدنا أمام خطوة مختلفة فى البناء والأداة، ديوان نثر يتعامل مع التجريب بوصفه ضرورة، لا بوصفه استعراضًا، ذلك أن التجريب، فى الشعر الجاد، ليس ترفًا شكليًا، بل وسيلة لاختبار الحساسية، وتوسيع قدرة اللغة على التقاط ما يفلت من التسمية السريعة، لهذا لا تبدو قصائد الديوان الـ 32  نصوصًا متناثرة، ولا بوحًا انفعاليًا متقطعًا، بل تبدو حلقات فى مشروع واحد يشتغل على فكرة "الرؤية".
عنوان الديوان "لا أرى الأشياء كما هي"، جملة قَلِقة معرفيًا، فما المقصود بـ"هي"؟ هل هى الأشياء فى مادتها؟ أم هى الصورة المؤولة عنها؟ أم هى "الحقيقة" كما تتداولها اللغة العامة؟ هنا لا يكتفى العنوان بإعلان موقف جمالي، بل يضع القارئ أمام موقف معرفي، الرؤية ليست مرآة شفافة، والعالم ليس معروضًا بوصفه حقيقة جاهزة، ومن ثم فإن "لا أرى" لا تُقرأ بوصفها عجزًا، بل بوصفها اختيارًا .

الخطاب في الديوان يتأسس على ثلاثة أعمدة واضحة، شك فى الرؤية، وإقرار بالهشاشة بوصفها شرطًا إنسانيًا، ومقاومة هادئة عبر مساءلة كل ما يبدو منطقيًا ونهائيًا.

ومن هنا تصبح مسألة "مفهوم الشاعر" داخل الديوان مسألة جوهرية، لأن الديوان لا يقدم نصوصًا فحسب، بل يصوغ صورة للمتكلم: من هو؟ ولماذا يكتب؟ وبأى شرعية؟
فى التراث العربى استقرت صورة الشاعر غالبًا بوصفه لسان الجماعة وصاحب الصنعة وحامل الحكمة، حتى تمرده كان يجرى داخل تقاليد راسخة، أما هنا فالصورة تنقلب، الشاعر ليس لسانًا جاهزًا لجماعة مستقرة، ولا صاحب يقين يوزع الأحكام، بل ذات تتشكل وهى تراجع نفسها، وتكتب من منطقة السؤال لا من منصة الإجابة.

هذا التحول يبدو جليًا منذ  بداية الديوان مثلا قصيدة "ميراث"، حيث لا يبدأ الصوت بتثبيت معنى مطمئن، بل يفتتح جرحًا معرفيًا واضحًا:

"أخطأوا… أخطأوا كلهم أخطأوا"
ثم:
"أخطأوا… وأورثونى الحياة"

الجملة الثانية تحديدًا تحول الميراث من مجد إلى عبء، ومن تاريخ مكتمل إلى أثر يتطلب مساءلة.
وفى قصيدة "أفصل حياة بذاكرة جديدة" تتكثف المفارقة الوجودية فى عبارة:

"مكتظ كعاصمة
فارغ كصحراء"

هنا لا يتكلم شاعر متفوق على تجربته، بل إنسان يحاول إعادة ترتيب ذاكرته كى ينجو من ضغطها، وكى يتعلم أن يرى من جديد، وعندما نصل إلى القصيدة التى تحمل عنوان الديوان، تتضح الفكرة أكثر:

"أنا حين أراك..
أرى آدم يدخل الجنة أول مرة"

هذه ليست كلمات بطريقة بلاغية، بل اقتراح لطريقة نظر، العادى ليس عاديًا إذا تغيرت العين، الرؤية ليست نقلًا أمينًا للظاهر، بل فعل خلق للمعنى.
وفى قصيدة "وحيدة" تتجسد الفكرة نفسها فى صيغة أخرى:

"أن أسير بلا هدف يعنى أن أرى ما لا أتوقع…
كل شيء يصير اكتشافًا"

هنا لا تأتى الرؤية من امتلاك الخطة، بل من قبول التيه.
وفى "كيف نرى الحقائق" يقول:

"أنا هنا منذ زمن
أوارب الشباك
ولا أرى شيئًا مما يرون"

فعل "أوارب" شديد الدلالة، لا فتح كامل ولا إغلاق كامل، الحقيقة تُرى من مواربة، من بين، من زاوية، لا من ادعاء الإحاطة.

والأكثر عمقًا أن الديوان لا يكتفى ببناء صورة الشاعر، بل يذهب إلى تفكيكها عبر لحظات ميتاشعرية صريحة، فى قصيدة "كل منتصر يخفى هزيمة" نقرأ:
"هذا سر فشلنا - نحن الشعراء - فى الحب"
ثم:

"حضرة الشاعر، لدى فكرة…
حاضر..
لنذهب إلى المكتب يا سيدة قصيدة
ولْيَلْعَنِ الله اليوم الذى صرتُ فيه شاعرًا!"

فى هذه النبرة لا نجد شاعرًا يحتفل بصفته، بل شاعرًا يفضح ثمنها الوجودي، صفة "الشاعر" هنا ليست امتيازًا جاهزًا، بل عبء معرفة، وعبء حساسية، وعبء انكشاف.

ما يفعله الديوان، فى مجمله، أنه ينقل الشاعر من مركز السلطة إلى منطقة المشاركة، لا يتعالى على القارئ، بل يشركه فى الحيرة، ويعامله بوصفه طرفًا فى إنتاج المعنى، لذلك يبدو هذا العمل، فى جوهره، تاريخًا لتحول الرؤية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة