لا تزال العلاقة بين الملكة نفرتيتي والملك الصغير توت عنخ آمون واحدة من أكثر الملفات إثارة في تاريخ مصر القديمة، ملف يجمع بين قرابة محتملة، وتحالفات سياسية، وتحولات دينية عاصفة شهدها عصر العمارنة، ثم مرحلة "العودة إلى طيبة" في زمن توت عنخ آمون.
خلال العقود الماضية، كان التصوّر الشائع في الكتب المبسطة والمواد الإعلامية أن نفرتيتي هي أم توت عنخ آمون مباشرة، استنادًا إلى وجودها في قلب بيت الملك وإلى صورها إلى جوار زوجها الملك إخناتون وبناتهما في مناظر العمارنة. لكن اكتشافات الحمض النووي، والدراسات التي أُجريت على مومياوات الأسرة الثامنة عشرة، نقلت النقاش إلى مستوى أكثر تعقيدًا.
في عام 2010 نُشرت في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA) نتائج دراسة موسعة للحمض النووي لعدد من المومياوات الملكية من عصر العمارنة، خلصت إلى أن مومياء KV55 (المنسوبة غالبًا إلى إخناتون) ومومياء KV35YL المعروفة باسم “السيدة الصغيرة” هما والدا توت عنخ آمون.
وتشير الدراسة إلى أن “السيدة الصغيرة” هي ابنة الملك أمنحتب الثالث والملكة تي، ما يعني – وفق القراءة السائدة – أنها أخت لإخناتون وليست نفرتيتي التي لا تحمل في أي من النقوش لقب “ابنة الملك”.
هذا التصور دفع كثيرًا من الباحثين إلى وصف نفرتيتي بأنها “زوجة الأب” أو “زوجة الأب والحمٰاة” لتوت عنخ آمون، إذ تزوج الأخير من “عنخ إس إن آمون” ابنة نفرتيتي وإخناتون، بحسب ما تذكره عدد من الدراسات الحديثة المبسطة في تتبع شجرة العائلة الملكية.
مع ذلك، لم يُغلق الملف عند هذا الحد. ففريق آخر من الباحثين يرى أن قراءة بيانات الحمض النووي تحتمل سيناريو مختلفًا. من أبرز هؤلاء عالم المصريات الفرنسي مارك جابولد، الذي قدّم تفسيرًا يقترح فيه أن “السيدة الصغيرة” KV35YL يمكن أن تكون نفرتيتي نفسها، وأن درجة القرابة الجينية بينها وبين إخناتون تعود إلى زواج الأقارب المتكرر داخل الأسرة عبر أجيال، لا إلى زواج مباشر بين شقيقين. وقد تناولت تقارير علمية وإعلامية دولية هذا الطرح بوصفه قراءة بديلة لنتائج تحليل الحمض النووي.
في موازاة هذا السجال حول هوية الأم البيولوجية، تظل حقيقة الدور السياسي والرمزي لنفرتيتي في سيرة توت عنخ آمون حاضرة في أغلب القراءات. فحتى إذا لم تكن أمّه المباشرة، فإنها كانت القوة الأنثوية الأبرز في القصر خلال طفولته الأولى، في وقت كانت فيه دولة العمارنة تعيد تشكيل عقيدتها حول عبادة “آتون” وتغيّر خريطة مراكز القوى في طيبة ومنف.
مصادر أثرية عدّة تشير إلى أن انتقال الحكم من جيل إخناتون إلى جيل توت عنخ آمون لم يكن انتقالًا سلسًا؛ إذ ظهرت أسماء ملوك غامضين لفترات قصيرة، فضلاً عن أدوار بارزة لشخصيات مثل الوزير آي، الذي سيصبح ملكًا لاحقًا. في هذا المناخ المضطرب، يرجّح عدد من الباحثين أن نفرتيتي شاركت، بشكل أو بآخر، في إدارة مرحلة الانتقال، سواء بصفتها ملكة قوية أو حاكمة مشاركة في الحكم في أواخر عهد العمارنة.
من جهة أخرى، ارتبط اسم نفرتيتي بواحدة من أكثر الفرضيات إثارة في السنوات الأخيرة: إمكانية وجود غرف خفية خلف جدران مقبرة توت عنخ آمون قد تضم مقبرة الملكة المفقودة. عالم المصريات البريطاني نيكولاس ريفز قدّم قراءة لصور جدران المقبرة واقترح أن ثمة بقايا لأبواب مطمورة قد تفضي إلى حجرة دفن أخرى، مرجحًا أن تكون لنفرتيتي، قبل أن تعلن بعثات مصرية عدّة – منها بعثة بقيادة العالم المصري زاهي حواس – تشكّكها في صحة هذه الفرضية أو تقلل من احتمالاتها في ضوء نتائج الفحوص الرادارية.
ورغم أن النقاش العلمي ما زال مفتوحًا، فإن ما يجمع عليه الباحثون تقريبًا هو أن توت عنخ آمون ورث عالمًا صنعته قرارات العمارنة: ثورة دينية قادها إخناتون ونفرتيتي، ثم “ثورة مضادة” أعادت الاعتبار لعبادة آمون. تغيير اسم الملك من “توت عنخ آتون” إلى “توت عنخ آمون”، وعودة البلاط إلى طيبة، وإحياء المعابد القديمة، كلها خطوات جرت في سياق سياسي وديني معقّد كان لإرث نفرتيتي فيه حضور لا يمكن إنكاره، سواء كانت أمًّا بيولوجية للملك الصغير أو زوجة لأبيه وفاعلًا رئيسيًا في المشهد.
هكذا تبقى علاقة نفرتيتي بتوت عنخ آمون، حتى في ضوء أكثر الدراسات العلمية تقدمًا، مزيجًا من قرابة محتملة، وتأثير سياسي، وسجال علمي مفتوح، يعيد التأكيد على أن تاريخ مصر القديمة لا يزال يحمل أسئلة أكثر مما يحمل من إجابات نهائية.