أما الفقرة التي استند إليها شيخ الأزهر الدكتور طنطاوي لمجلة روز اليوسف فكانت تستند إلى نص مهم في القانون 13 المذكور يقول بأن الأزهر ((بيان الرأي فيما يجد في مشكلات مذهبين واجتماعية تتعلق بالعقيدة)) وهو ما لا ينطبق أبدا على ما قاله ففضيلته لروز اليوسف لقوله أن القانون ينص على "الأزهر وحده صاحب الرأي الملزم لوزارة الثقافة في تقدير الشأن الإسلامي للترخيص أو رفض الترخيص للمصنفات الفنية!! وهو الأمر الذي أنشأ رقابة عليا على جميع المصنفات الفنية بصفتها أعمالا اجتماعية بالضرورة!!
ويبدو أن حملة جريدة الشعب وحزب العمل ومعهم الاخوان المسلمون وبعض أعضاء الحزب الوطني الحاكم أثمرت في أن أصبح الوزير المستنير (ينفخ في الزبادي) اتقاء لـ (لسعات المتطرفين الذين يدعون الحديث باسم (المجتمع).
فلم تلبث أن مضت عدة شهور حتى حدثت أزمة أخرى كانت بؤرتها هذه المرة ثلاث روايات تصدرهم سلسلة (أصوات أدبية) التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة التي كان يرأسها في هذا الوقت الناقد السينمائي على أبو شادي.
ملحوظة عابرة:
تم تغيير اسم الهيئة المذكورة من الهيئة العامة للثقافة الجماهيرية" إلى "هيئة قصور الثقافة ربما لكراهية كل ما يتعلق بالجماهير في الجمهورية الجديدة لمبارك.
الروايات الثلاث هذه المرة كانت مصرية واحدة لأديب معروف هو توفيق عبد الرحمن بعنوان (قبل وبعد) والثانية (أثناء الخطأ الرومانسي) لعامر شعبان والثالثة (أحلام محرمة) لمحمود حامد... كان رئيس تحرير السلسلة هو الكاتب الكبير محمد البساطي ومديرها الأديب الشاب جرجس شكري الذي يقول أن على أبو شادي طلب منهم الحضور لمقابلة وزير الثقافة وعندما وصلا إلى مقر الوزارة فوجئا بأنها أمام لجنة تحقيق في كيفية موافقتهم على طبع الروايات الثلاث التي تدعو إلى الفحشاء وخدش الحياء ومخالفة تعاليم الإسلام!! واندهش جرجس من هذا الاتهام إذ كان قد قرأ الروايات ولم يجد لهذا الاتهام أي اساس من الصحة ... ولكن الأمر انتهى بإقالة البساطي وشكري وتنحية موظفين من منصبهما هما الأمين العام للنشر محمد كشيك والمدير العام للنشر بالهيئة أحمد عبد الرازق وكان ذلك بعد يومين من إقالة على أبو شادي من رئاسة الهيئة للأسباب نفسها ونقله إلى منصب مستشار الوزير بديوان الوزارة ... وهو الأمر لم يستمر طويلا إذا عاد بعدها أبو شادي إلى وزارة الثقافة في مناصب عدة جمع بين أكثر من منصب فيها من نفس الوقت منها رئيس قطاع الانتاج الثقافي ورئيس الرقابة ورئيس المركز القومي للسينما ثم الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة.
المهم ... إذا كان السبب الحقيقي للأزمة الذي لا تذكره الأخبار السائدة والتي اكتفت بإعلان قرارات الوزير الذي أعقبه قرار عدد من المثقفين المصريين بمقاطعة أنشطة وزارة الثقافة منتقدين بشدة ما اعتبروه ((سلوكالوزير القمعي ضد حرية التعبير ودعمه مصادرة الأعمال الابداعية وإجراء تحقيقات مع بعض القيادات الثقافية دون اخطارها ومحاولة تفريغ الخطاب الثقافي والفكري من رموزه المرموقة).
وكان من بين الموقعين على البيان: جمال الغيطاني وأسامة أنور عكاشة ويوسف القعيد وفاروق عبد القادر ويوسف أبو ريه وعبد العظيم أنس وعزت القمحاوي وفريدة الشوباشي وكان من يحرك كل هذه الاحتجاجات والبيانات لدرجة التهديد باعتصام هو الكاتب والمثقف الكبير إبراهيم منصور... وتضمن البيان أيضا "إن المثقفين مدينون كل إجراءات البطش المادي والمعنوي والتقليل الفكري الذي يقدم به السيد فاروق حسني في الحياة الثقافية.
وكانت (المقاطعة) التي طالب بها المثقفون متزامنة مع الإعلان عن الاستعداد لافتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الثالثة والثلاثين والذي يشهد عشرات الندوات والأمسيات الثقافية.
ولما كان الوزير قد أصدر قرارات الإقالة أثر طلب إحاطة قدمه عضو مجلس الشعب جمال حشمت حذر فيه (أو هدد) من تكرار أزمة رواية حسن حيدر (وليمة لأعشاب البحر) ... ومن الأقوال الشهيرة النادرة للناقد على أبو شادي قوله: أن الحكومة بهذا تخضع للإسلاميين كما قال أن أزمة الوليمة أصابت الجميع بالهلع.
والمضحك المبكي أنني عندما حاولت أن أبحث عن السبب الحقيقي لأزمة الروايات الثلاث خاصة مع معرفتي اليقينية أن الجميع لا يقرأون وخاصة جمال حشمت ناهيك عن اهتمامهم برواية تصدر عن أديب شبه مجهول عن قصور الثقافة عندما علمت من مصادر قريبة غيمة محزنة أن السبب الحقيقي هو أن الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي أحس أن الرواية بها إشارات ليست ودية تجاه شخصه وشخص زوجته السيدة عطيات الأبنودي وأنه من تولى إثارة القضية دون إعلان .. وأن السلطات العليا وقتها أمرت الوزير بألا يورط الحكومة مرة أخرى في أزمة تشبه الوليمة (إحنا مش ناقصين!!") فتصرف الوزير فورا (ونفخ في الزبادي) محاصرا الأزمة بذكاء حتى وأن تعرض لهجوم في المثقفين هذه المرة وليس من المتطرفين.