انتهت فعاليات الدورة الـ57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، ، والتي أُقيمت من 21 يناير إلى 3 فبراير 2026 بمركز مصر للمعارض الدولية، محققة نجاحات ملحوظة، ومؤكدة أن مصر لا تزال صاحبة أحد أكثر معارض الكتاب حضورًا وتأثيرًا في الشرق الأوسط، وليست الفكرة هنا في عدد الأيام ولا في صور الافتتاح والختام، بل في ذلك الإحساس الذي يتركه المعرض بعد أن يفرغ المكان، أن مصر عاشت الثقافة بوصفها حدثًا عامًا، وكيف أصبح الكتاب مركزًا لحركة اجتماعية كاملة.
الأرقام الدالة .. أكثر من 6 ملايين زائر
في اللحظة التي أسدل فيها الستار، لم يحتج معرض الكتاب إلى خطبة وداع بقدر ما احتاج إلى رقم يضع الجميع أمام حقيقة بسيطة، نحن أمام حدث يتجاوز كونه موسمًا ثقافيًا إلى كونه طاقة عامة، أعلنت وزارة الثقافة أن عدد من زاروا المعرض بلغ 6,200,849 زائرًا.
هذا الرقم ليس مجرد حصيلة دخول، بل شهادة على أن الكتاب ما زال قادرًا على أن يجمع الناس على اختلافهم في مكان واحد، وأن الذهاب إلى المعرض صار طقسًا اجتماعيًا بامتياز، عائلات تتنقل بين الصالات، طلاب يبحثون عن الكتاب الجدد وعن التخفيضات كمن يبحث عن فرصة، وقراء يجرون خلف توقيع، وآخرون يكتفون بالجلوس في أماكن معدة لذلك كي يتأكدوا أن الفرح ما زال ممكنًا.
التكريمات… الفوز لغة معرض الكتاب
هنا لا نتحدث فقط عن إعلان أسماء فائزة، بل عن إشارة رمزية تقول إن المعرض لا يكتفي ببيع الكتب أو تنظيم الندوات، بل يصنع معيارًا للجودة ويكافئ التجارب التي تشتغل على الفكرة والهوية والتنظيم، وفي تفاصيل جوائز "التميز" ظهر معنى إضافي أن الثقافة ليست نصوصًا فقط، بل "أجنحة" تفكر في البيئة والعرض البصري وإدارة التجربة، وفي كيفية تحويل الزيارة إلى رحلة مفهومة الإيقاع والملامح، وحين يخرج التكريم من كونه تصفيقًا إلى كونه "إقرارًا بمعيار"، يصبح الفوز لغة ثانية للمعرض، لغة تقول للناشرين والجهات المشاركة إن الجودة ليست ذوقًا شخصيًا، بل شرط يمكن قياسه والاحتفاء به، وفي ختام الدورة، ظهر هذا المعنى واضحًا مع تكريم الفائزين وتأكيد وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو على تعزيز مكانة الكتاب والفكر.
نجيب محفوظ.. كل يوم قيمة جديدة
لحظة إعلان الفائز بجائزة نجيب محفوظ 2026، والتي فاز بها الروائي التونسي نزار شقرون، أعطت للحدث قوة خاصة، ليس لأن الجائزة وحدها "كبيرة"، بل لأنها تحمل معنى مباشرًا، هو أن الرواية العربية ما زالت قادرة على إقناع مؤسسة رسمية بأن الرهان على الأدب ليس ترفًا.
وفي الخلفية الأوسع للمشهد، تتقدم فكرة أخرى هي أن مصر قادرة على منح جوائز كبرى باسم قامة عالمية، وأن نجيب محفوظ كان، وسيظل، أيقونة تحرك الذاكرة الثقافية وتمنح الحاضر ما يستحقه من وقار.
سور الأزبكية.. الحنين الدائم
ليس من السهل أن تلتقط روح المعرض دون المرور على سور الأزبكية، وفي دورة 2026 عاد "السور" كما لو أنه يعيد تعريف فكرة المعرض نفسها، قراء يفتشون في العناوين كما يفتشون في ذاكرتهم، وزحام شديد بحثًا عن كتاب أو مجلة، ورغبة في العثور على كتاب مفقود أو نسخة "نادرة"، وتؤكد التغطيات وجود إقبال وزحام ملحوظين مع تنوع كبير في العناوين بين كتب تراثية وإصدارات قديمة وحديثة، مع "عروض دعائية" لجذب الزوار.
السور في هذه الدورة بدا كأنه يحقق المعادلة الأصعب، أن يظل شعبيًا ومحبوبًا، وأن يكون جزءًا من التنظيم العام للمعرض لا مجرد هامش للحنين.
حضور الأطفال.. مستقبل مصر
لو اعتبرنا المعرض مدينة، فإن جناح الطفل فيها هو المستقبل وهو يمشي على قدميه، وما لفت الانتباه في دورة 2026 ليس مجرد الإقبال، بل طبيعة الأنشطة التي تميل إلى التفاعل (ورش، حكي، أنشطة تتجاوز فكرة الزيارة إلى فكرة المشاركة)، وفي هذا المشهد يتغير صوت المعرض كله، ليس صوت الندوات الثقيلة، بل صوت الدهشة، طفل يكتشف كتابًا لأول مرة، أو يشارك في ورشة تُقنعه أن القراءة ليست واجبًا مدرسيًا بل لعبة ذكية، وربما لهذا يُصبح جناح الطفل أحد أكثر مشاهد المعرض صدقًا، لأنه يضع الثقافة في يد من سيحملها لاحقًا، دون خطابة، فقط عبر تجربة صغيرة تشبه الفرح.