شريف عارف

فنون "إدارة الملفات" فى إقليم ملتهب

الخميس، 05 فبراير 2026 02:46 م


ما شهدته العاصمة المصرية، خلال الساعات القليلة الماضية، هو خير دليل على "فنون ادارة الملفات"  التى تنتهجها الدولة المصرية على مدى السنوات الماضية، بما يعكس تاريخها ومحوريتها ودورها الاقليمي في اقليم ملتهب.

قمة الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب اردوغان خلال الساعات الماضية، يمكن وصفها بأنها "لحظة فاصلة" ، ليس فقط في العلاقات بين القاهرة وأنقرة، بل في مسار الإقليم كله. فلم يعد التباعد ترفًا ممكنًا، وأصبح التنسيق ضرورة ملحة تفرضها الجغرافيا والتاريخ والتحديات المشتركة أمام دول العالم.

لم تكن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة ولقاؤه بالرئيس عبد الفتاح السيسي مجرد حدث بروتوكولي عابر أو محاولة لتحسين العلاقات الثنائية،  بعد سنوات من الجفاء التوتر، بل جاءت كإشارة واضحة إلى بداية مرحلة جديدة في معادلات الإقليم، وهي ما يمكن أن نطلق عليه مرحلة إعادة رسم خريطة التحالفات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.

القمة الإقليمية، التي وُصفت بأنها الأهم منذ سنوات، حملت دلالات تتجاوز رمزية المصافحة بين زعيمين كانا على طرفي نقيض، لتفتح ملفات ثقيلة تشمل شرق المتوسط، وغزة، وليبيا، وسورية، والسودان، وصولًا إلى التوترات الإقليمية الأوسع. وهو ما يعكس إدراكًا مشتركًا لدى القاهرة وأنقرة بأن استمرار الخلاف لم يعد خيارا عمليا في ظل تصاعد التحديات.

أحد أبرز الملفات التي تصدّرت أجندة الاجتماعات كان ملف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، ضمن مفاوضات ثلاثية تضم مصر وتركيا وليبيا.

هذا التطور يمثل تحولًا جوهريا في المقاربة المصرية لهذا الملف شديد الحساسية، خاصة مع مشاركة مسؤول تركي كبير عن هذا الملف، ما يعكس جدية أنقرة في الوصول إلى تفاهمات نهائية. وهو ما يشير إلى أن المفاوضات قطعت شوطًا متقدمًا، وقد يكون الإعلان الرسمي مسألة وقت.

في البعدين السياسي والأمني، عكست القمة توافقًا  حول عدد من القضايا الشائكة. فقد أكد الجانبان على أولوية أمن الإقليم وضرورة التنسيق المستمر، لا سيما فيما يتعلق بقطاع غزة، حيث شدد السيسي وأردوغان على دور مصر وتركيا وقطر في دعم جهود التهدئة، مع التزام مشترك بالمساهمة في إعادة إعمار القطاع في ظل استمرار المأساة الإنسانية.

وحملت القمة رسائل واضحة بشأن سورية، برفض تحويلها إلى ساحة للميليشيات المسلحة أو مصدر تهديد لدول الجوار، وبشأن ليبيا، من خلال التأكيد على سيادتها ووحدتها السياسية ورفض أي حلول عسكرية أو محاولات للتقسيم، في تقارب يعكس نضجًا دبلوماسيًا بعد سنوات من الخلاف الحاد.

ولم يغب البحر الأحمر عن حسابات القمة، حيث أبدى الجانبان موقفًا حاسمًا ضد أي وجود عسكري أجنبي على سواحله، في إشارة إلى مخاوف مشتركة من تحركات إقليمية قد تهدد الأمن القومي المصري، وعلى رأسها محاولات إسرائيل إيجاد موطئ قدم عسكري في القرن الأفريقي.

في المجمل عكست قمة القاهرة إدراكًا متبادلا بأن المصالح المشتركة باتت أقوى من الخلافات التاريخية، وأن التعاون المصري–التركي قادر على تشكيل محور إقليمي جديد مؤثر في توازنات المنطقة. محور لا يهدف إلى التصعيد، بقدر ما يسعى إلى تثبيت الاستقرار، وفرض منطق القانون الدولي، وفتح الباب أمام تحالف عربي–إسلامي أوسع يرفض الفوضى والهيمنة الأجنبية.

السياسة المصرية تتحرك وفق ثوابت تدرك السياق الزمني  والمتغيرات التي يشهدها العالم .. والاقليم الملتهب..




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة